تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ناحية البيت الأموي نفسه كان نظام البيعة بولاية العهد يثير الخلاف بين الابن الذي يعهد إليه، وإخوته الذين قد يرون أنفسهم أحق بالأمر منه؛ لكفايتهم وعظم صلاحيتهم.

كل هذا وأمثاله جعل الدولة الأموية لم تهدأ من ثورات تكاد تكون مستمرة؛ فالبيت الهاشمي ينتهز كل فرصة للثورة؛ لاسترداد الموقف، وينظم دعوته السرية، ويسبب متاعب للبيت الأموي لا تنتهي، فالحسين يخرج ويقتل، والمختار يطالب بثأر الحسين، ويدعو لمحمد ابن الحنفية، وكلما قتل إمام دعا إمام هاشمي إلى نفسه سرا، ثم جهرا، فيحبس أو يقتل طوال العهد الأموي.

وعبد الله بن الزبير يحل في خلافه مع البيت الأموي محل أبيه الزبير بن العوام في منازعته عليا حتى يقتل.

والخوارج لا ترضى عن هؤلاء جميعا، وتريد خليفة ينتخب انتخابا حرا، أو لا خليفة.

والعراقيون لا ينسون ما فعله الأمويون معهم؛ فيتربصون بهم الدوائر، ويشجعون الأحزاب المعارضة، وكان من أكبر ثوراتهم ثورتهم مع عبد الرحمن بن الأشعث؛ فقد أدركوا أن الأمويين قد اختطوا وسيلة من وسائل التنكيل بهم، وهي تسييرهم إلى البلدان البعيدة للفتح، حتى إذا نجحوا غنم الأمويون، وإذا انهزموا استراح منهم الأمويون، فأخرج الحجاج منهم نحو عشرين ألفا لفتح تركستان وعلى رأسهم ابن الأشعث، فانتهز الجيش الفرصة ونادوا بالثورة، وخلعوا الحجاج أولا، ثم عبد الملك بن مروان ثانيا.

والبيت الأموي نفسه ينقسم على نفسه؛ فمروان يناهض خالد بن يزيد ويبعده عن الحكم، وينقل الدولة من فرع إلى فرع، وعبد الملك بن مروان يقتل عمرو بن سعيد بن العاص، وهو من أكبر زعماء البيت الأموي، ومن كانت له اليد الطولى في نقل الحكم إلى فرع مروان، وهكذا.

كل هذا كان جديرا أن يعوق الدولة الإسلامية عن التقدم والرقي، ويمكن أعداءها الخارجين من استراد ملكهم، ولكن كانت الأمة مملوءة قوة وحيوية، فلم يكسر ذلك كله من قوتها، ووجد من رجالها أمثال: معاوية، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن عبد الملك؛ فهؤلاء بسياستهم وقوة شخصيتهم وحسن اختيارهم لرجالهم وقوادهم؛ استطاعوا أن يزيدوا رقعة المملكة الإسلامية إلى مدى بعيد، وأن يرقوا بنظام الحكم وبالفنون، وأن يقطعوا في ذلك شوطا بعيدا.

هذه ساحة الأناضول؛ ما يهدأ معاوية من الحروب الداخلية حتى يغزيها جيشه ويفتح «ملطية»، ويشحنها بالجند والسلاح، ويجعلها قاعدة يضرب منها المسلمون البيزنطيين أو الروم على حد تعبير العرب، وأنشأ أسطولا هزم به الأسطول الروماني، واستولى على عدة جزر من جزر الأرخبيل وأسلم أهلها، وفتح خلفاؤه المنطقة الواقعة بين الأسكندرونة وطرسوس، وتقدم مسلمة بن عبد الملك إلى فناء القسطنطينية، وحاصرها نحو ثلاثين شهرا.

وفي الساحة الشرقية وجه معاوية جيشا لفتح طبرستان، وتم ذلك فيما بعد على يد يزيد بن المهلب؛ ففتح طبرستان وجرجان.

كما فتحوا ما وراء النهر؛ ويراد به المقاطعة الواقعة شرقي نهر جيحون، فوجه معاوية عبيد الله بن زياد لفتحه، وفي عهد عبد الملك تولى قيادة الجيوش المهلب بن أبي صفرة، ومحمد بن القاسم، وقتيبة بن مسلم الباهلي، فما زالوا في فتوحهم حتى وصلوا إلى الصين.

وفتح محمد بن القاسم الهند.

وفي عهد معاوية فتح عقبة بن نافع إفريقية، وفي عهد عبد الملك وجه أخوه عبد العزيز بن مروان موسى بن نصير لإتمام فتحها ونشر الإسلام بين ربوعها، ثم في عهد الوليد عبر البحر وفتح هو ومولاه طارق بن زياد إسبانيا والأندلس.

بهذا تضاعفت رقعة المملكة الإسلامية على يد هؤلاء الأمويين، بل إن المملكة الإسلامية لم تزد شيئا يذكر فيما بعد الفتوح الأموية، وأخذت الحركة بعدهم تتجه نحو الجزر لا المد، ولم تكن فتوحهم مجرد فتح حربي، بل هو إخضاع حربي، ودعوة إلى الدين، وتنظيم سياسي، ووضع قواعد للسير تتفق وما أمر به الدين من العدل، فإن حدثت أحداث جزئية لا تنطبق على قواعد العدل فهي الطبيعة البشرية التي لا تخلو من نزعاتها أمة؛ ومما يزيد في مقدار عظمتهم أن هذه المملكة كلها مع اتساع رقعتها وترامي أطرافها لم يخرج من يد الأمويين منها شيء، ولم يحدث قطر من أقطارها نفسه باستقلال، كما كان الشأن في العصر العباسي، بل كانت كلها دولة ملتئمة، تخضع لخليفة واحد، يتربع على عرشه في دمشق.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٢٦