ويعجبني ما روي عن معاوية أنه قال: «أعنت على علي بثلاث: كان رجلا ظهرة علنة، وكنت كتوما للسر، وكان في أخبث جند وأشده خلافا، وكنت في أطوع جند وأقله خلافا، وخلا علي بأصحاب الجمل، فقلت: إن ظفر بهم أعددت ذلك عليه وهنا، وإن ظفروا به كانوا أهون شوكة علي منه».
على كل حال تم الأمر لمعاوية، واجتمع الناس عليه خليفة للمسلمين بعد أن تنازل الحسن بن علي، وبايع له سنة 41، وسمي هذا العام عام الجماعة، وظل معاوية بعد ذلك خليفة نحو تسعة عشر عاما يؤسس الدولة ويضع دعائمها.
لقد كان منذ صغره تظهر عليه مخايل السيادة، نظر إليه أبوه فرأى عظم رأسه ومخايل سيادته، فقال: إنه لخليق أن يسود قومه، فقالت هند أمه: قومه فقط! ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة! وتفرس فيه رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ذلك فقال له يوما: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل. وكان عمر إذا دخل الشام ورأى معاوية قال: هذا كسرى العرب، وقال عبد الله بن عمر: ما رأيت أحدا بعد رسول الله أسود من معاوية. فقيل له؟ فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقال: كانوا والله خيرا من معاوية، وكان معاوية أسود منهم. وذمه قوم عند عمر، فقال عمر: دعونا من ذم من يضحك عند الغضب، ولا ينال ما عنده إلا على الرضا، ولا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه.
بانتقال الخلافة إلى معاوية أخذت شكلا جديدا لا عهد به للمسلمين من قبل؛ أهمها: حصر الملك في أسرة واحدة، وهي أسرة الأمويين، وقد كانت قبل تعتمد على اختيار الخليفة، أو اختيار أولي الحل والعقد، بل جعلها معاوية كذلك وراثية، فعهد بالأمر من بعده لابنه يزيد، وكان لهذا الاتجاه أضرار كثيرة، ومنافع كثيرة لا مجال لشرحها، كما انطبعت الدولة الأموية من عهد معاوية بالطابع العربي، والأرستقراطية العربية، وتفضيل الدم العربي على غيره من الدماء، وتلا ذلك نظرهم إلى الموالي من الأمم الأخرى نظرة حاكم لمحكوم، وقاهر لمقهور، كما أن انتقال العاصمة من المدينة إلى دمشق مسكن الرومانيين من قبل، مهد للعرب أن يقتبسوا من المدنيات القديمة في نظمهم وسياستهم؛ كل هذا كان مظهرا من مظاهر انتقال الحكم إلى الأمويين.
| العصر الأموي وخلفاؤه (2)
تحدثت عن البيت الأموي إلى أن بويع لمعاوية بالخلافة عام الجماعة سنة إحدى وأربعين.
وقد دامت الخلافة فيهم نحو تسعين عاما.
لجأ البيت الأموي في تأسيس ملكه إلى استعمال الدهاء والقوة والعنف، وكان عنوان سياستهم المبدأ الذي وضعه رأسهم معاوية؛ إذ يقول: «إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل»، وأخطأوا في بعض الأحيان في عدم الموازنة بين مقدار الحق الذي يريدون الوصول إليه، ومقدار الباطل الذي يخوضونه، ولم يكتفوا أحيانا بالوصول إلى الغرض من أقرب طرقه وألبقها، بل عمدوا إلى أعنف الطرق وأكثرها إثارة للنفوس وهز المشاعر، كحادثة مقتل الحسين، ورمي الكعبة بالمنجنيق.
وجعلوا نظام الحكم هو نظام البيعة بولاية العهد، بعد أن كان بانتخاب الأصلح من غير تقيد بأسرة، وجر هذا إلى أن الخليفة قد تحمله عاطفة الأبوة على أن يعهد بالأمر من بعده لابنه؛ وقد يكون أبعد الناس لصلاحيته للخلافة، كما أنه أدى إلى نوع من اليأس في البيوت الأخرى التي كانت تطمح إلى الخلافة؛ كالبيت الهاشمي، وبيت الزبير.
أضف إلى ذلك أن الحرب بين علي ومعاوية أوجدت معسكرين إقليميين؛ وهما: الشام، والعراق، بينهما ترات كترات الشخصين المتقاتلين، كل منهما يريد أن يثأر لنفسه من أعمال خصمه، فإذا انتصرت الشام طوى العراق نفسه على الغل وانتهاز الفرص، وأحست الشام بذلك فكانت تبعث إلى العراق جبابرتها من أمثال: زياد بن أبيه، وابنه، والحجاج، فكان هؤلاء يحكمون حكم قمع وجبروت وانتقام وأخذ بالظنة، في غير هوادة، ولا رحمة.