تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حزب أبناء عمر بن الخطاب، وكان له دعاة قليلون: من أظهرهم أبو موسى الأشعري؛ يدعو لعبد الله بن عمر بن الخطاب، وإن لم يكن هو يدعو لنفسه.

وأخيرا حزب الخوارج، وهم لا ينادون بشخص معين، ولكنهم يرون أن الحق في الخلافة ليس مقصورا على قريش، وإنما هي عامة في جميع المسلمين، وأن الأحق بالخلافة أصلح الناس ومن رآه المسلمون أحق بالخلافة ولو كان عبدا حبشيا، فإذا اختير فهو أمير المؤمنين، ويجب عليه أن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، ومنهم فرقة كانت ترى أن ليس من حاجة إلى خلافة، وعلى الناس أن يسيروا على الحق من أنفسهم ونادوا: «لا حكم إلا لله».

تناحرت هذه الأحزاب وتقاتلت، وسفكت فيها الدماء أنهارا مما لا محل لذكره، ولم ينج من هذا القتال إلا قوم غسلوا أيديهم من هذه الفتن كلها، وامتنعوا أن يدخلوا في نزاع بين المسلمين بعضهم وبعض، وكان من هؤلاء: أبو بكرة، وعمران بن الحصين، وعبد الله بن عمر، وسميت هذه الفرقة بعد بالمرجئة.

بعض هذه الأحزاب انقضى سريعا واختفى من ميدان القتال؛ كحزب طلحة والزبير، ولكن القتال العنيف كان بين علي الهاشمي، ومعاوية الأموي، وأخيرا وأخيرا جدا صفا الجو لمعاوية وأسس الدولة الأموية.

ولانتصاره أسباب لا بأس من الإشارة إليها:

فمن ذلك ما أشرنا إليه قبل من كثرة الأمراء الذين حكموا الأمصار من الأمويين وتسلطوا عليها وبثوا نفوذهم فيها، خذ مثلا الشام؛ وهي أهم عنصر في نصرة الأمويين؛ فقد وليها يزيد بن أبي سفيان، ثم لما مات وليها معاوية عشرين عاما قبل الخلافة، والأمويون على وجه العموم كانوا في سياستهم أكثر تمشيا مع الزمن، يعرفون نفسية العرب وعصبيتها ومنازعاتها وخصومتها، وكيف يستجلبونها لناحيتهم بالمصاهرة أحيانا، وبالمال أحيانا، وبالمداراة أحيانا، وبالحلم أحيانا، وبالشدة أحيانا، كما هو شأن السياسة دائما، وعنوان سياستهم ما قاله زعيمهم معاوية: «إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل»؛ ولكن عليا وحزبه يريدون أن يسيروا على الخط المستقيم فقط من غير لف ولا دوران، والسياسة كثيرا ما تحتاج إلى لف ودوران، ويعجبني ما قرأت من أن عليا سئل عن بني أمية وبني هاشم؛ فقال: بنو أمية أكثر وأنكر وأمكر، ونحن أفصح وأصبح وأسمح.

وكان من أساليب الأمويين؛ وعلى الأخص معاوية؛ أنه استطاع أن يضم إليه دهاة العرب وأمكرهم كعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن خالد، وحبيب مسلمة الفهري، وبسر بن أرطاة، والضحاك بن قيس، وشرحبيل بن السمط الكندي، وهؤلاء كانوا من كبار قواد العرب في الجيوش، ومن كبار الدهاة في السياسة والإدارة، وقد عرف معاوية أن يضمهم إليه بأساليبه، ويستخدمهم لتحقيق أغراضه، فأبلوا في ذلك بلاء عظيما، وكون منهم ومن أمثالهم مجلس شورى يجمعهم ويعرض عليهم الأمر فيقلبونه على جميع وجوهه في تنظيم محكم وترتيب دقيق وسرية منيعة.

أضف إلى ذلك الفرق الكبير بين جند معاوية وجند علي، فطالما شكا علي (رضي الله عنه) من جنده، وفخر معاوية بجنده، لقد كان جند علي تغلب عليهم البداوة، وكانوا في العراق تتوزعهم العصبية القبلية والأهواء المختلفة، يصعب جمعهم على كلمة، واتفاقهم على رأي، ولذلك لاقى منهم علي الأمرين في الآراء المتناقضة: هؤلاء يقولون بالتحكيم، وهؤلاء يرفضونه، وهؤلاء يقولون بمداومة القتال، وهؤلاء يقولون بوقف القتال، وإذا جاء دور التحكيم اختلفوا اختلافا شديدا على من يمثلهم: الأشتر النخعي، أم أبو موسى الأشعري؟ أم لا هذا، ولا ذاك؟ إلى كثير مما رواه التاريخ من وجوه الخلاف التي لا حد لها، أما جند معاوية فنواتهم الشام، وأكثر عربهم وجندهم كان من اليمن، وقد ألفوا روح النظام قديما، واتصلوا بالرومان من عهد الغساسنة، فلم نسمعهم اختلفوا في الآراء اختلاف جند علي، ينادون بالتحكيم، فيقولون به جميعا، ويسمعون بمن يمثلهم، فيقولون به جميعا، والجندية عمادها النظام والطاعة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٢٤