ولما فتح النبي
صلى الله عليه وسلم
مكة قال له العباس: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له ذكرا، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وأراد مشركو مكة وعلى رأسهم أبو سفيان بعد الإسلام أن يعوضوا ما فاتهم، ويكفروا عن سيئاتهم؛ فأبلوا في حروب الردة وفي الفتوح الإسلامية بلاء حسنا.
ولكن العصبية التي دعا الإسلام إلى إماتتها لم تمت، وظلت تعمل عملها وتشرئب بعنقها كلما دعا داع إليها.
ومما يلاحظ أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
استعمل على البلدان كثيرا من بني أمية؛ فقد مات
صلى الله عليه وسلم
وعامله على مكة أموي؛ وهو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وقسم اليمن على خمسة رجال؛ أحدهم خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، واليا على صنعاء، وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية واليا على البحرين، وعمر بن سعيد بن العاص بن أمية واليا على تيماء وخيبر وتبوك وفدك، وأبو سفيان بن حرب واليا على نجران؛ وهكذا، وليس من بينهم هاشمي.
وكذلك فعل أبو بكر وعمر، فلم يكن في أعمال رسول الله ولا في أعمال أبي بكر وعمر أحد من بني هاشم.
ومن الجلي أن هذا لم يحدث عفوا، وهو أمر يلفت النظر، فهل كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يريد أن يفهم الناس أن أمر الولاية لا يرجع إلى بيت ولا إلى عصبية ولا إرث، وإنما الأمر للمسلمين يختارون من يرونه أحق بالولاية وأقدر على الصالح العام، وأكفأ للمهمة التي ينتدب لها، فإن كانت مهمة حربية اختير لها أكفأ الرجال في الحرب، وإن كانت سياسية اختير لها أسوس الناس وأصلحهم لتدبير الأمر، كما يريد أن يعلمهم درسا راقيا وهو أنه فوق أن يتحزب لبيته وأن يتعصب لقومه، وأنه عادل عدلا مطلقا، سواء عنده أهل بيته وغيرهم، إنما تهمه دعوته وتعاليمه وتطبيقها على أحسن وجه على أي يد كانت! لعله أراد ذلك كله.
جعل عمر الخلافة بين ستة، وكان أظهر هؤلاء الستة علي الهاشمي وعثمان الأموي، فتحركت العصبيات القديمة، ولم يضع المسلمون أول أمرهم نظاما محكما لمن يلي الخلافة، ولا وضعوا نظما للشورى، ولا أهل الحل والعقد، ولا غير ذلك من المسائل الهامة، فمني المسلمون بالخلاف على الخلافة طوال العصور، روي أن معاوية سأل من في مجلسه يوما عما شتت أمر المسلمين وخالف بينهم، فأجيب إجابات لم تقنعه، فقال هو: لم يشتت أمر المسلمين إلا الشورى التي جعلها عمر في الستة، فلم يكن منهم إلا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلعت إلى ذلك نفسه، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر؛ ما كان في ذلك اختلاف.
لما ولي عثمان الأموي الخلافة تغلب الحزب الأموي، وكان أكثر عمال الولايات منهم؛ فعلى الشام معاوية بن أبي سفيان، وعلى البصرة عبد الله بن عامر الأموي، وعلى مصر عبد الله بن سعد الأموي؛ وهذه هي الولايات العظام، فإن كان كثير من الولاة من غير الأمويين فهي ولايات فرعية يرجع أمراؤها إلى هؤلاء الأمويين العظام؛ ففارس تابعة للبصرة، وإفريقيا تابعة لمصر، وأقسام الشام تتبع والي الشام؛ وهكذا.
فطابع عهد عثمان طابع حكم حزبي، وهذا يخالف الطابع الذي كان في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم
والخلفاء قبله، فإنه كان غير ملون بلون حزبي.
قتل عثمان الأموي فتشتت أمر المسلمين تشتتا فظيعا لم يعهدوه من قبل:
الحزب الأموي وهو يطالب بدم عثمان، ويضم الأمويين وأتباعهم وصنائعهم ومن استخدمهم ولاة الأمصار من الأمويين، وهؤلاء كانوا أول الأمر لا ينادون بخليفة معين، ولا باسم بالذات، إنما يطالبون بدم عثمان، ويناهضون عليا، ثم تطورت الأمور حسب الأحداث، وتركزت حول «معاوية» ونودي به في حزبه خليفة، وعماد هذا الحزب «الشام».
حزب طلحة والزبير، ويضم هذا الحزب أنصارهما وأتباعهما، وعائشة أم المؤمنين.
حزب علي، ويضم الهاشميين وكثيرا من كبار الصحابة كأبي ذر الغفاري، وأبي أيوب الأنصاري، وكان له أنصار كثيرون بالمدينة والعراق.