تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يستيقظ غاندي كل يوم في الساعة الرابعة والنصف؛ ليؤدي صلاة الصبح، ثم يرتاض سيرا على أقدامه سيرا سريعا، لا يحول دون ذلك انهمار المطر، وهذه عادة نشأ عليها منذ شبابه، ويروى في ذلك نبأ ظريف؛ وهو أن غاندي كان يؤدي رياضته هذه وهو في لندن، وكان يسير كعادته سيرا سريعا قلما يلحقه أحد فيه، فشكا رجال الشرطة المكلفون بحراسته ما يكلفهم من جهد وإعياء حين يحاولون متابعته في سيره!

وإن له لإيمانا قويا لا يفتر؛ فهو يؤدي شعائر صلاته إذا حل موعدها مهما تكن الظروف المحيطة به؛ فقد كان وهو في لندن لا يأبه بمكانة من يجالسهم، ولا بمنزلة المكان الذي يحل فيه إذا جاء وقت الصلاة، فتراه ينزل إلى أرض الغرفة؛ حيث يجلس مشبوك الساقين مطأطئ الرأس؛ حتى إذا ما فرغ من فريضته عاد إلى كسريه واستأنف الحديث، فعل ذلك حتى وهو في مجلس العموم البريطاني! وهو يصلي مرتين في كل يوم، عند الشروق مرة وعند الغروب أخرى.

وإن هذا الرجل الذي يأكل الحد الأدنى من الطعام، لا يفتأ في عمل متصل لا ينقطع؛ فهو يستقبل الزائرين، ويتحدث إلى مستشاريه، وينجز ما يعرض له من أمور كثيرة، وما أكثر ما يعرض له من الشئون؛ لأن عاصمة الهند القومية تكون حيث يكون؛ وقد اختار لنفسه من ألوان الراحة والاستجمام أن يجلس في حوض من الماء الساخن أربعين دقيقة قبل أن يأوي إلى مخدعه، وكثيرا ما يطالع وهو مغمور في حوضه بالماء!

ويتلخص برنامجه الذي يوجه إليه مجهوده اليوم في خمسة أشياء: تشجيع الغزل والنسج، وجعل التعليم في القرى تعليما صناعيا، وتحسين الحالة الصحية، ودمج المنبوذين في جسم المجتمع، وتنشيط الصناعة القروية.

يقول غاندي: «إنني أرى كل شيء يتغير ويموت، ولكن وراء هذه الظواهر المتقلبة قوة حية لا تخضع للتغير، قوة تمسك بيدها كل شيء، تخلق وتميت، وتعيد الخلق؛ تلك القوة هي الله ... إنه خير مطلق؛ لأنني أرى الحياة ظافرة رغم تتابع الموت، وأرى الصدق منتصرا رغم ما يكتنفه من أكاذيب، وأرى النور ساطعا رغم ما يحجبه من ظلام، ومن هذا أستنتج أن الله هو الحياة والصدق والنور، هو الحب، هو الإله الأعلى».

وعلى الرغم من أن غاندي هندوسي متدين، إلا أنه يعتقد أن الكتب المقدسة كلها على اختلاف دياناتها، هي كلمة الله؛ القرآن والإنجيل والتلمود والأفستا وكتاب بوذا؟!

هذه صورة لغاندي الجبار الذي نفخ في الهند روحا، فأحياها بعد موت، وعلمها كيف تعرف حقها، وتزهى بنفسها، إنه رجل؛ والرجال قليل.

| العصر الأموي وخلفاؤه (1)

من قديم في العصر الجاهلي كان يتنازع الشرف فرعان من قريش من ولد عبد مناف، لا يدانيهما في ذلك بيت؛ وهما بيت هاشم وبيت أمية، وكان بنو أمية أكثر عددا وأوفر رجالا، وكثيرا ما تنافر هاشم وابن أخيه أمية إلى حكم يحكم بينهما أيهما أشرف، على عادة العرب في الجاهلية، وكان هشام له الرفادة والسقاية في البيت الحرام، وكان رجلا موسرا، وكان كريما، وكان يوسع على العرب عند حجتهم، ويطلب من ذوي المقدرة أن يتبرعوا بما في استطاعتهم، ويخرج هو عن كثير من ماله، فينظم إطعام الطعام والتروية بالماء، ويعد الحجيج ضيف الله وضيفه؛ فمن أجل هذا كان يحكم له بالشرف، كما كان من الأمويين من نال السيادة وسودته قريش كلها، كحرب بن أمية؛ فقد كان رئيس قريش في حرب الفجار، ورووا أن قريشا تواقعوا ذات يوم؛ وحرب هذا مسند ظهره إلى الكعبة، فتبادر إليه غلمة منهم ينادون: يا عم، أدرك قومك، فقام يجر إزاره حتى أشرف عليهم من بعض الربا، ولوح بطرف ثوبه إليهم أن تعالوا، فبادرت الطائفتان إليه بعد أن كان حمي وطيسهم.

إذا؛ كان كل من البيتين الهاشمي والأموي عظيما في الجاهلية.

فلما جاء الإسلام زاد البيت الهاشمي شرفا بمحمد رسول الله الهاشمي، ولكن الإسلام لم يعبأ بالعصبية القبلية الجاهلية، وجاء يزن الناس بميزان آخر غير الدم والجنس والقبيلة؛ هو ميزان العمل الصالح، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولما هاجر رسول الله إلى المدينة ساوى بين الناس، وآخى بينهم، وترك مكة للمشركين تعمل فيهم العصبية الجاهلية، وخلا الجو بمكة ممن ينازع الأمويين الشرف من عظماء بني هاشم؛ فقد مات أبو طالب الهاشمي وهاجر بنوه إلى المدينة، وهاجر حمزة الهاشمي والعباس وأكثر بني عبد المطلب، فتزعم أبو سفيان الأموي أمية كلها والمشركين كلهم من قريش، وكان رئيسهم في غزوة أحد، بل تزعم المشركين أيضا من غير قريش فكان قائدهم كلهم في غزوة الأحزاب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٢٢