وأصدرت إنجلترا قانونا فيه روح القسوة، فقابله الهنود بإضراب عام، وما جاءت سنة 1919 حتى نزلت النازلة ووقعت المأساة الفادحة؛ إذ أمر قائد إنجليزي أن يطلق الرصاص على حشد من الهنود العزل، رجالا ونساء وأطفالا، وكانوا بحيث لا يستطيعون الهروب، فقتل منهم مئات وجرح مئات، فقامت الهند، ولكنها قومة هادئة صامتة لا يصحبها الصخب والزئير؛ إذ أعلنت على الحاكم عصيانا مدنيا، وما هو إلا أن ذاع العصيان في ربوع الهند ذيوعا قويا سريعا، وقد اتخذ منه غاندي أداة سياسية وقوة روحية في آن معا ... هكذا دعا المهاتما قومه إلى المسالمة وضبط النفس وإنكار الذات، فكانت دعوة صائبة من زعيم يفهم شعبه، دعوة يفهمها الهنود الذين مرنت نفوسهم على الرياضة العنيفة، فمست منهم حبات القلوب؛ لأنها جاءت من طبيعة دينهم في الصميم، وخلقت من الهنود أسودا.
ماذا يصنع الإنجليز أمام شعب صمم أن يقابل العنف باللين، والقسوة بالعصيان الصامت الذي لا يرفع إصبعا لمقاومة؟ ماذا يصنع الإنجليز، وهم يشهدون ألوف الألوف من الشبان الهنود الذين تقاطروا زرافات إلى السجون؛ يطالبون الحكومة أن تودعهم بين أغلالها مختارين طائعين؟ إن العقل الأوربي لم يكد يفهم هذه الدعوة التي وجهها غاندي إلى أمته، أن يتخذوا موقف المقاومة السلمية السلبية! نعم؛ لم يفهمها العقل الأوربي حتى شخصت نتائجها أمام بصره وسمعه!
وأمعنت الحكومة في عنفها، فأعلن المؤتمر الهندي مقاطعته للبضائع الإنجليزية، وقرر الأعضاء أن تمنع ناشئة الهند من مدارس الحكومة، وأن تسحب القضايا من المحاكم، وأن يتخلى الموظفون عن وظائفهم الحكومية، وألا يدفع الأهلون الضرائب، وألا يلبس الهندي إلا قطنا غزلته أيدي الهنود.
وقبض على غاندي في عام 1922، فاستمع إلى هذا الجبار يخاطب الاتهام قائلا: إن جريمتي أكبر جدا مما ذكرت في دعواك! ثم نظر إلى القاضي وتوسل إليه أن يقضي بأقصى عقوبة يبيحها القانون!! وحكم القاضي بسجنه ست سنوات، فأجابه غاندي بالشكر، وقد أتاح له السجن عزلة أحبها، ويقول في ذلك: «كنت في السجن سعيدا كالطائر المرح»، ولكن الحكومة أطلقت سراحه بعد عامين اثنين.
وحدث بعد ذلك بسنة واحدة أن اشتبك الهندوس والمسلمون في خصومة وعراك، فقرر غاندي أن يصوم واحدا وعشرين يوما؛ ليحتج بصومه على نزاع ينشأ بين فريقين من أبناء الوطن، فلبثت البلاد كلها تنتظر هذه الأيام وهي مقطوعة الأنفاس من خشية الخطر، وانقضت أيام الكفارة بخير، وقطروا في فم الزعيم قطرات من عصير البرتقال، ولكنه لم يقو على الكلام والحركة إلا بعد حين.
وجاءت بعد ذلك سنوات خمس شداد؛ إذ أرسل الإنجليز بعثة سيمون إلى الهند؛ لتمهد الطريق لوضع دستور جديد، ولكن المؤتمر الهندي لم يعد يرضى القليل، وطالب للبلاد باستقلال تام، فاشتد الحاكمون، فبدأ العصيان المدني من جديد، وافتتح غاندي عصيانه هذه المرة بما يسمى «غزوة الملح»، فقد كان الملح ولا يزال محتكرا في يد الحكومة تفرض عليه ضريبة باهظة يقع عبئها على الفقراء، فأخذ المهاتما يشق طريقه إلى البحر في جمع من أعوانه، واخترق البلاد من شرقيها إلى غربيها سيرا على قدميه، وكانت نار الثورة تشتعل في إثره أينما سار، وهكذا مضى حتى بلغ شاطئ البحر، فركع وأخذ يستخرج من الماء ملحا لا تثقله ضريبة الحكومة، واحتذاه قومه، فكانت ضربة قاسية على الحكومة، وضربا نادرا من الاحتجاج والعصيان!
وانتهت الموقعة آخر الأمر إلى اتفاق تسامح فيه الإنجليز بعض الشيء، وتنازل فيه الهنود بعض الشيء، وهو الموقف القائم اليوم.
ويقضي المهاتما الآن عامه في قرية منعزلة تسمى «سيجاون»، تقع في أكثر جهات الهند انحطاطا وبعدا عن المدنية، وقد اختار هذا المكان القصي الذي يطوقه الوحل أربعة أشهر من السنة، وليس فيه طبيب ولا بريد، اختاره عامدا؛ لأن أغلب سكانه من المنبوذين، وقد أطلق عليهم اسم «أبناء الله»؛ ليدعو بذلك إلى دمجهم في جسم الأمة، وليقيم البرهان على أن المذهب الغاندي لا يصلح للطبقات المستنيرة وحدها، بل تنبت بذوره في أشد جهات الوطن تأخرا وجهلا.