وعاد إلى أرض الوطن بعد أعوام ثلاثة، واشتغل بالمحاماة في بومباي، ويروى أنه حين نهض في أولى قضاياه ليسأل شاهدا، اعتراه خجل عقل لسانه، واضطر إلى الجلوس دون أن يلقي سؤالا واحدا ... ومضت أعوام لم يزدهر فيها الأمل، فشد رحاله إلى أفريقيا الجنوبية لعله يصادف فيها ما لم يستطعه في الهند، وهكذا كان، فإنه لم يلبث أن استقر في تلك البلاد حتى علا صوته فيها، فقضى هنالك عشرين عاما راضيا سعيدا؛ وهذه الأعوام العشرون كانت بمثابة فترة يتأهب فيها لما ألقي على عاتقه فيما بعد ... ففي جنوبي أفريقيا أخذ التياران الأساسيان اللذان يكونانه يظهران ويشتد مجراهما من نفسه: الأول: اتجاهه إلى مذهب المسالمة؛ فقد طالع رسكن وتولستوي، وأخذ بمثلهما العليا، والثاني: عنايته بالقومية الهندية، وأخذ منذ ذلك الحين يدافع عن حقوق الهند، فأسس صحيفة «الرأي الهندي» وأصدر أول كتبه «استقلال الهند»، وأصبح زعيما غير مدافع للجالية الهندية في جنوبي إفريقيا، وهي كثيرة العدد، وقد أودع السجن هنالك ثلاث مرات.
وقد أخذ غاندي يروض نفسه ويغذي روحه ويكتسب الدربة العملية؛ ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد أنه اعتزم أن يزداد دراسة للكتب المقدسة الهندية؛ ليشتد قربه من روح الهند، ولكنه لم يجد في وقته من الفراغ ما يحقق له أمنيته، أوتدري ماذا فعل؟ إنه علق بعض آيات الكتاب التي يريد حفظها في أعلى الحوض الذي يقف أمامه عند غسل أسنانه؛ ليتلوها في الدقائق التي خصصها لذلك من كل صباح!
ويجدر بنا أن نذكر عنه نبأ آخر يلقي ضوءا على جانب الإيمان منه ؛ فقد روى عن نفسه في كتاب سيرته أنه خاطب نفسه ذات يوم قائلا: «إنه لو أدركني القضاء المحتوم لوقع عبء زوجي وأبنائي على أخي المسكين» وأمن من فوره على حياته بمبلغ جسيم؛ ليضمن لأهله رغد العيش من بعده، ولكنه ما لبث أن قال: «لماذا أفرض أن الموت سيدركني قبل سواي؟ إن الله وحده هو الذي يرعى زوجي وأبنائي، وليس أخي براعيهم، إنني إذا أمنت على حياتي من أجل زوجي؛ فقد أحرمها بذلك كما أحرم أبنائي من نعمة الاعتماد على النفس، ولماذا لا أتوقع منهم أن يعنوا بأنفسهم؟ ماذا جرى للأسر التي لا يحدها الحصر؛ والتي لا تملك من حطام الدنيا شيئا؟ ولم لا أعد نفسي واحدا من هؤلاء؟»
وأما طعامه فقد اختار لنفسه بعد سلسلة طويلة من التجارب، لبن الأغنام؛ لما رآه فيه من صفات تمكنه من ضبط نفسه، وقرر أن يصمت عن الحديث يوم الاثنين من كل أسبوع؛ ليكون وسيلة أخرى لضبط النفس؛ وهكذا مضى وهو في جنوبي أفريقيا حتى اشتد مراسه، وازداد صلابة فيما يمس مبادئه، ولينا وهوادة في توافه الأمور.
هذا هو غاندي في سن الخامسة والأربعين، حين عاد إلى الهند عام 1914؛ حيث بدأ جهاده الأكبر.
عاد غاندي إلى أرض الوطن، وقضى عامه الأول متنقلا بين ربوع الهند؛ ليساهم في بعض الخدمات الاجتماعية؛ لكي يمس شئون بلاده عن كثب، ولم يكد يسلخ بعد عودته عاما حتى أنشأ لنفسه صومعة أطلق عليها اسما معناه بلغة بلاده «قوة الروح» ولكن اللفظة أسيء استخدامها فيما بعد، وأصبحت تعني «العصيان»، وحج إليه الأتباع ومن بينهم نفر من المنبوذين، وأخذوا على عواتقهم بين يديه ألا يقولوا إلا الصدق، وأن يسلكوا في الحياة طريق المسالمة، وأن يأخذوا بالمبدأ النباتي في الطعام، وأن يرفضوا الملك، وألا يتزوجوا، وأخذ اسم غاندي يرن في جوانب الهند من أقصاها إلى أقصاها؛ حتى أطلق عليه اسم «المهاتما» ومعناها «الروح العظيم».
وما كادت تضع الحرب الكبرى أوزارها حتى أخذ الهنود يطالبون الإنجليز الحاكمين بحصر نفوذهم، فأجاب الإنجليز ولكن في كز وتقتير، فلم يرض الهنود بما منحوه من حكومة ذاتية مغلولة الأيدي، فنهضت إنجلترا من فورها تشكم هذه الحركة النامية بيد من حديد، فأثار هذا العنف نفوس الهنود، وهبوا جادين عازمين؛ وعلى رأسهم غاندي.