تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فماذا يرى غاندي في هذا المشكل الجسيم؟! إنه يؤمن إيمانا راسخا بنظام الطبقات ولا يحب أن يمحو منه شيئا، ولكنه يعتقد كذلك أن النبذ زراية لا تليق بالبشر؛ حتى قال: «لأن يفنى الهنود على بكرة أبيهم خير من أن يحيا بينهم نظام المنبوذين»، وهو يسمى النبذ «زائدة فاسدة» يجب أن تبتر من جسم الهند في غير إبطاء، وخطته التي يسعى جاهدا لتحقيقها هي أن تنشأ بالهند طبقة خامسة من هؤلاء البائسين، وبذلك يكون قد احتفظ بنظام الطبقات الذي يؤمن به، ويكون في الوقت نفسه قد أرضى هذه الفئة المبنوذة في جسم المجتمع.

ألا إن هذا الجهاد وحده لخليق أن يسلكه في عقد النوابغ الأبطال! وإنه لبطل بكل ما في الكلمة من معاني البطولة! أليس عجيبا أن ينهض هذا الرجل الضئيل وهو يتلفع بثوب من غزله ونسجه، ليهاجم أعظم إمبراطورية شهدها التاريخ؟!

إن له في قلوب الهنود لمكانة دونها كل مكانة، فهو فيهم دكتاتور من نوع لم يعهده الإنسان، دكتاتور يحكم أتباعه بالحب! فترى صورته عالقة على جدر الأكواخ محفوفة بالإجلال والتكريم، يتشفع بها المرضى ليبرءوا! ويتيمن بها الصغار؛ ليبلغوا منشود الأمل! وما أروع الزراع حين يسلمون أقدامهم إلى الريح زرافات زرافات ... إلى أين هذه الجموع الحاشدة؟! إلى مكان يبعد عشرين ميلا؛ ليشهدوا قطارا فيه زعيمهم غاندي! إنه في قومه نبي المعجزات، إن شاء أشار بخنصره إلى الناس أن شقوا عصا الطاعة للحكومة، فما هو إلا أن ترى القوم من فورهم قد صدعوا بالأمر عن رضا وطواعية.

فمن عسى أن يكون هذا الرجل الذي يحرك خمسين وثلاثمائة مليون من البشر بلفظة واحدة تنحدر من بين شفيته، من هذا الجبار الذي يتحكم في خمس سكان الأرض بأسرها؟!

هو «مهانداس كرمشاند غاندي» الذي ولد في الثاني من شهر أكتوبر عام 1869، أي إنه قد أوشك على السبعين ... وهو سليل أسرة تولى أبناؤها أرفع المناصب، فأبوه وجده كانا رئيسي وزارة الإقليم؛ وقد تزوج أبوه أربع مرات، وكان غاندي أصغر أبناء الزوجة الرابعة؛ وهي امرأة اشتدت فيها النزعة الدينية فأثرت في ابنها أثرا عميقا.

نشأ غاندي قوي العقيدة راسخ الإيمان، لا يكاد ينحرف عن الجادة حتى يعود في توبة وعزم جديد ... قال له أحد أصدقائه في صدر الشباب: إن ضعف الهنود يعزى إلى امتناعهم عن أكل اللحم، وإن الإنجليز لم يحكموا الهند إلا لأنهم من أكلة اللحوم، فاعتزم غاندي أن يذوق هذا الطعام الممنوع، ولم يكد يفعل ذلك حتى وخزه الضمير وخزا أنزل به العلة، وانتابه في المساء حلم فظيع رأى فيه عنزة حية تتقيأ في جوفه ... وأغراه صديق آخر واقتاده إلى بيت داعر، وفي ذلك يقول: «كاد يصعقني الخرس والعمى حين وطئت قدماي وكر الرذيلة، لقد زللت بين أنياب الخطيئة، ولكن الله عاجلني برحمته» ... وحدثته النفس مرة أن يدخن لفيفة - وهي محرمة - فكاد بعدئذ يزهق نفسه من تأنيب الضمير ... ويروى أنه لم يكذب في حياته قط!

وتزوج غاندي في سن الثالثة عشرة من فتاة في العاشرة من عمرها، وفي ذلك يقول: «لم يدر بخلدي يوم الزفاف أن سيأتي يوم أوجه فيه إلى أبي مر النقد على تزويجه إياي في سن الطفولة؛ فقد كان كل شيء يبدو في ذلك اليوم سارا جميلا، وكنت شديد الرغبة في الزواج» ... وكانت زوجته أمية فأراد أن يعلمها، ولكنه وقف في ذلك عند الكتابة والقراءة.

وكأنما أراد غاندي أن ينتقم لنفسه من هذا الزواج الباكر، فلم يكد يبلغ سنته الأولى بعد الثلاثين حتى اعتزم كبت شهوته، وفرض على نفسه عزوبة امتدت إلى يومه هذا، وإنما فعل ذلك ليكون خطوة نحو تملكه زمام نفسه، وسيطرة إرادته على جموح شهوته، ويقول مؤرخو حياته إن ذلك هو المبدأ الأول الذي انتهى به آخر الأمر إلى إعلان المقاومة السلبية السلمية.

ولما أكمل دراسته في جامعة «أحمد أباد» قصد إلى لندن؛ ليتمم دراسة القانون، ولم يكن ذلك أمرا يسيرا؛ لأن عبور البحر، عند الهنود المستمسكين بتقاليدهم، مجلبة للدنس؛ ولذا قضى عليه أولو الأمر في طبقته بالطرد من عشيرتهم، والحرمان من كل حقوقه، ولكن ذلك لم يحل دون سفره، فنذر أمام أمه ألا يأكل لحما، ولا يشرب خمرا، وألا يقرب النساء، وانطلق في سبيل العلم إلى كعبته المنشودة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠١٩