أريد من البساطة الصراحة في القول، والطهارة في التفكير، وعدم الإمعان في المظهر، والتصرف في بساطة ويسر، ونظافة الفكر من كراهية الناس، والتعالي عليهم، والسير في الحياة كما هي من غير كلفة ولا رياء، ولا تظاهر ولا تعقيد؛ فقد تكون مائدة نظيفة بسيطة أشهى عند العاقل من مائدة معقدة مركبة، وقد يكون جمال الفتاة في بساطة حليها وبساطة ملبسها خيرا من حلي مكدسة وثياب مزركشة.
في بساطة العيش راحة النفس، وحفظ الصحة، وحسن التفاهم، والتخفف من الأعباء المالية، وشعور بأن الحياة المادية ليست كل شيء في الحياة؛ حتى يضيع كل الزمن في تعقيداتها وتركيباتها، فهناك حياة روحية سامية جميلة تستحق أن يوفر لها جزء من الزمان، ويخصص لها وقت من التفكير.
| غاندي، ذلك الضعيف الجبار
غاندي هو أعظم رجل أنجبته الهند بعد بوذا، ولا يرتاب العارفون بنزعات الهنود في أن غاندي بعد موته سيبلغ ما بلغه بوذا من عبادة وتقديس، ولقد يزعم بعض الزاعمين أن غاندي قد ضؤل اسمه، وانكمشت سطوته، وانمحى كثير من مجده، ولكنه زعم باطل موهوم، فهو عظيم الهند غير مدافع، وحسبك أن ترى بني قومه يتسابقون ليظفروا بتقبيل موطئ قدمه!
ولعل أروع ما يأخذ العين من هذا الجبار العجيب مزجه السياسة بالدين مزجا رفعه إلى منزلة القديسين الأطهار والساسة الأفذاذ في آن معا؛ ولو أمعنت النظر إلى سيرته لألفيتها مجموعة من متناقضات ظاهرة، لا تلبث النظرة الفاحصة أن تتبين فيها اتساقا وانسجاما ووحدة ... فهو مسالم وادع منذ الطفولة الأولى، ولكنه إبان إقامته بإفريقيا الجنوبية أخذ يحشد الجنود لتخدم في إسعاف المحاربين في حرب البوير؛ وهو الذي أخذ يصارع إنجلترا صراعا متصلا، ولكنه اليوم أكبر أصدقاء الإنجليز في ظل الدستور الجديد؛ لأنه ارتأى أن استقلال الهند في الظروف الحاضرة يحققه التعاون مع إنجلترا أكثر مما يحققه استئناف الكفاح؛ وهو ينظر إلى العلم الحديث نظرته إلى الكارثة الفادحة حلت بالبشر، ولكنه يسافر بالقطار والسيارة، ويستعين على ضعف بصره بالمنظار؛ وقد كان من المؤتمر الوطني الهندي بمثابة الروح من الجسد، ومع ذلك لم يكن عضوا فيه؛ وهو يمس كل موضوع من ناحيته الدينية، ولكن أحدا لا يدري من يعبد وبمن يدين ... وهكذا؛ كلما أخذت في دراسة الرجل تبينت فيه مواضع تناقض تقتضيك البحث والتفكير.
وأهم ما يشغله اليوم مشكلة المنبوذين الذين آلى على نفسه أن يرفع من شأنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ ففي الهند أربع طبقات وراثية أنشأها الآريون الغزاة في عصر راسخ في القدم، أنشئوها لتكون لهم بمثابة الحصن المنيع يصون دماءهم أن تمتزج بدماء الأهلين ... وأولى هذه الطبقات: طبقة البراهما؛ ومنهم القساوسة والعلماء، ثم: طبقة الكشاتريا؛ وهي تؤلف فريق المحاربين، والثالثة: طبقة الفيسيا؛ ويشتغل أبناؤها بالتجارة - وهذه هي الطبقة التي خرج منها غاندي - والرابعة: طبقة السودرا؛ ومنهم يخرج العبيد والخدم.
ومما يلفت النظر أن طبقة البراهما وهي أرفعها ينشأ منها أغلب الطهاة في الهند، والأصل في ذلك أنها طبقة الأطهار؛ فلا خوف أن يدنس أبناؤها الطعام والشراب، ولذلك ترى الأسر من سائر الطبقات تؤثر أن يكون طهاتها من أولئك الأنقياء ... أما المنبوذون فهم فريق لا يدخل في هذه الطبقات الأربع، وهم يبلغون واحدا وخمسين مليونا من سكان الهند؛ الذين يقرب عددهم من 350 مليونا.
ليس أمر المنبوذين مقتصرا على فقرهم المدقع، بل هم إلى جانب هذا يقاسون الزراية والامتهان، فلا يجوز لأبناء المنبوذين في بعض جهات الهند أن يلتحقوا بالمدارس، ولا يسمح للمنبوذين أن يستمدوا ماء شرابهم من البئر التي يستمد منها سائر السكان ماءهم؛ وأقسى من ذلك وأمر أن المنبوذ في جنوبي الهند لا يؤذن له أن يبدو أمام أنظار الناس؛ لأنهم يعتقدون أن دنسه يلوث أبناء الطبقات؛ حتى لو كان سائرا على بعد فسيح، فإذا ما أبصر المنكود أحد السادة في أقصى الطريق وجب عليه أن يرجع ليستتر في عشب الحقول، والأغلب ألا يسمح للمنبوذين أن يغادروا أوكارهم إلا في ظلمة الليل؛ حتى لا يكشف عن دنسهم ضوء النهار!