تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى المعاملات بين الناس سادها التكلف والتصنع؛ فهذا الغني يتظاهر بغناه بكل مظهر، ويعامل الناس لا كما ينبغي أن يعاملوا به، ولكن على مقدار القدرة المالية، فهو يوزع احترامه واحتقاره بنسبة ما يملك من يعامله من مال أو لا يملك.

وقل أن تجد غنيا بسيطا في عيشته، بسيطا في معاملته؛ والواقع أن الأمر سلسلة متصلة، يتلقى الاحتقار ممن هو أغنى منه، ويوزعه على من هو أدنى؛ حتى نصل إلى الفقير الذي لا يملك شيئا، فهو يحتقر ليس إلا.

وضروب المعاملة والسلوك يسودها التصنع والتكلف ومظاهر الرياء؛ في الوظيفة وفي المصالح الحكومية، وفي المحال التجارية، وفي الحفلات والولائم والأفراح والمآتم، لا شيء من البساطة، ولا شيء من الرجوع للفطرة.

وحتى الآداب والفنون دخلتها الحضارة فعقدتها وملأتها زينة وصناعة ومحسنات لفظية ومحسنات معنوية واستعارة ومجازا وتكلفا في التعبير لا يجري مع الطبيعة، والروائي لا يكون روائيا حقا حتى يغرب، والممثل لا يكون ممثلا حقا حتى يتصنع ويتكلف البكاء والضحك والصياح ولي اللسان والتشدق في الأداء.

وحتى الناس في مخاطبتهم لا يسلكون أقرب طريق للفهم والإفهام، ولا أصدق عبارة وأبسطها للتعبير عما في النفس؛ حتى ليصعب علينا في كثير من الأحيان معرفة الحق في الموضوع لما تمتزج به الحقيقة من شكوك وغموض وإبهام وتصنع وتزويق، مع أن البساطة في التعبير هي خير وسيلة للإقناع والإفهام، ورب كلمة صريحة صادقة بسيطة فعلت ما لا تفعل الخطب المزوقة والأحاديث المنمقة، وخير الأدب ما مال إلى البساطة، وخير التمثيل ما جرى على الطبع، وخير الفن ما عبر عن النفس في بساطة ويسر.

من كل هذا نرى أن الحضارة صحبها في كل نواحيها تعقيد وتكلف ورياء وتصنع وبعد عن البساطة، وأن هذا التكلف والتصنع قد جر من الشرور على العالم ما لا يحصى؛ ولكن هل هذا عرض ملازم للحضارة لا يمكن أن تنفك عنه، أو هو كما يقول المناطقة عرض مفارق يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون؟

إن الحضارة درجة في الرقي طبيعية، فلا يمكن ولا من الخير أن يتبدى الناس بعد أن تحضروا، ولكن ألا يمكن أن نتحضر وأن نتبسط معا؟!

لست أرى أن الحضارة من لوازمها التعقيد، بل إني أتصور حضارة سامية تعنى ببساطة العيش، مع انتفاعها بما وصل إليه العلم.

وقد قرأنا أخبارا عن قوم نبلاء عاشوا عيشة البساطة وسط الحضارة، كما فعل تولوستوي في حياته الأخيرة، وقد قرأت قصة لطيفة في كتاب «أدب النديم»؛ إذ حكى أن عبد الله بن طاهر دعاه غني إلى وليمة، ثم أخر الأكل لإعداده إعدادا يتناسب ومقام ابن طاهر فطال غيابه، ثم أحضر من الألوان والتصنع والتكلف ما لا حد له، فلما هم ابن طاهر بالانصراف سأله الداعي: أيأمر الأمير بشيء؟ قال: أن تذهب إلى فلان وتتعلم منه الفتوة، فذهب إليه وكان الوقت وقت غداء، فأمر الخادم أن يحضر ما عنده من غير أن يزيد شيئا، فحضر طعام نظيف بسيط لساعته، ثم قال له: هذه هي الفتوة التي أراد ابن طاهر أن أعلمكها.

على أنا نجد اليوم نزعة ظاهرة في المدنية الحديثة، وهي كراهية التكلف، والسآمة من التعقيد في المعيشة، والإمعان في الملذات، والتصنع في الفن والأدب، والتشدق في الكلام، وهي نزعة ظهرت في نواح كثيرة؛ نرجو أن تعم وتتسع.

ليست البساطة التي نعنيها أن يعيش الناس حياتهم الأولى الساذجة، فليس ذلك في الإمكان، ولا نريد أن يتساوى الناس في المأكل البسيط والملبس البسيط، بل إن البساطة حتى في التفاوت؛ فقد يستطيع الغني في أكله الدسم وسيارته الفخمة أن يعيش مع هذا عيشة بسيطة، وقد يكون فقيرا وهو يعيش عيشة متكلفة، فالغني الذي لا يمعن في الترف، ويأكل ويلبس ويركب خير الأنواع، ولكنه سمح في تصرفاته، بسيط في مبائه، وطرق معيشته، عاطف على الفقراء في ماله، غير ممعن في شهواته، يعيش على قدر دخله، ويحسن بما يحتمله ماله، نقي القلب نحو الناس، لا يتظاهر بغير ما يبطن، وتجري أموره بسيطة سهلة ، يقال: إنه يعيش عيشة بسيطة؛ وقد يكون فقيرا يتظاهر بأكثر من معيشته، ويتكلف أكثر مما يحتمله دخله، ويمعن في لذته ومظهره، وينطوي قلبه على أنه لو نال المال لأمعن في الترف، فهو في هذه الحال أعقد، وأكثر تكلفا من ذلك الغني.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠١٧