وكانت أم الخليفة المقتدر تعمل نعالها من ثياب تسمى الثياب الديبقية؛ تقطع على قدر النعال، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب، ويجعل بين كل طبقتين من الثياب مسك وعنبر مجمدان، وكان لا يمكث النعل في رجلها إلا أياما ثم ترميه للخدم، وكان النساء المترفات يشترين جلود الثعالب يحضره التجار من سيبريا يبطن به ثيابهن في الشتاء، وقد ذكر المسعودي أن إبراهيم بن المهدي استزار الرشيد: يوما فقدم له على المائدة فيما قدمه له: طبقا فيه قطع من سمك، فقال له الرشيد: لم صغر طباخك قطع السمك؟ قال له: يا أمير المؤمنين هذه ألسنة سمك، فاستحلفه الرشيد أن يخبره عن ثمن هذه الألسنة، فقال له: أكثر من ألف درهم. فرفع الرشيد؛ وأبى أن يأكل منها.
ويشبه هذا ما قرأته مرة في بعض الصحف أن أحد اللوردات من كبار الأغنياء عمل وليمة لبعض الكبراء فقدم فيها طبقا فيه ألسنة بعض الطيور النادرة.
وقرأت مرة أن أمريكا في سنة 1899 كانت اعتزمت أن تقيم في معرض باريس عمودا من الذهب يساوي ما فيه مئتي ألف جنيه؛ إشارة إلى أنها مملكة الذهب.
ومثل ذلك ما جاء في تاريخ الوزراء للصابي أن المعتضد اجتمع في خزائنه تسعة ملايين من الدنانير، فأمل أن يتمها عشرة ويسبكها سبيكة واحدة ويضعها في مكان بمرأى من الناس؛ ليسير في الآفاق أن للمتعضد عشرة ملايين دينارا من الذهب هو في غنى عنها، فاخترمته المنية قبل أن يحقق غرضه.
وأمثلة ذلك في الحضارات القديمة والحديثة، وهي في الحديثة آنق وأترف وأعقد، وقد شمل التعقيد والتصنع والتكلف كل مناحي الحياة، وشمل كثيرا من الأوساط، بعد أن كان في الحضارات القديمة مقصورا على بعض الملوك والأمراء.
هذا فرح يقام في بيت الأغنياء حتى والأوساط فتقوم دنياهم وتقعد وترتبك حياتهم وترتبك، ويمر الشهر والشهران والأسرة لا تعرف للحياة طعما، من خطبة وجهاز وإعداد حفلة وطبع تذاكر الدعوة وتنظيمها ونحو ذلك من مشاكل لا عداد لها، ولا ينتهي الزواج حتى تكون الأسرة كلها قد تهدمت أعصابها وماليتها من كثرة ما لاقت من العناء، وما تحملت من أعباء، وما سبب ذلك إلا ما اندفع فيه الناس من تعقيد وتكلف وتصنع.
وهذه مظاهر الحياة كلها معقدة؛ فالمرأة تقضي نصف عمرها أمام المرآة متصنعة متجملة، وهذه مائدة الأكل يقضى الوقت الطويل في إعدادها وتصفيفها، وهذا الأكل يقضى فيه كل مرة ساعتان أو أكثر في وضع صنف ورفع صنف وتغيير الأطباق وما إلى ذلك.
وهذه الملذات ووسائلها كلها تعقدت وتركبت؛ فالذهاب إلى التمثيل يكلف كثيرا من العناء في المظهر والملبس والمركب، ويحب كل ذاهب إلى التمثيل أن يكون هو في نفسه رواية يتفرج عليه المتفرجون في ملبسه ومشيته ونظراته وما إلى ذلك.
وكل ملذة من ملذات الحياة مشروعة أو غير مشروعة لا تنال على بساطتها وسذاجتها، وإنما تنال على ضروب من التعقيد والتكلف لا نهاية لها.
ومن الغريب أن المتلذذ بهذه الضروب من التكلف لا يلبث أن يعتادها ويألفها على أنها بسيطة ساذجة؛ فيبحث عن وسائل أخرى لزيادة تعقيدها!
ولو كان تعقيد الملذات يزيد في السرور بها لهان الأمر، ولكن الواقع أن تعقيدها يضيع بهجتها ويقلل الاستمتاع بها؛ فالعامل البسيط يتلذذ من منظر رواية بسيطة أكثر مما يتلذذ الغني المترف من رواية معقدة، والمرأة الفقيرة تفرح بجلبابها الجديد البسيط أكثر مما تفرح امرأة غنية بفستانها الأنيق الموشى.
هذا فضلا عما يستوجبه هذا التكلف والتعقد من أسباب التعاسة؛ فكم بيت شقي بسبب امرأة في البيت تتكلف أكثر مما تحتمل ميزانيتها في الملابس وأدوات الزينة! وكم أسرة شقيت؛ لأن رجلا يحتفل بسكره أو قماره أكثر مما يحتفل بضرورات بيته! وكثير من البيوت بائسة؛ لأن حاجة المعيشة تعقدت وتركبت فأصبحت ميزانياتها لا تكفي لضروراتها، وكثيرا ما تضطر تكاليف الحياة وتعقدها أن يسلك الناس سبلا غير شريفة في الحصول على المال الذي تتطلبه تعقدات الحياة، ومن استطاع أن يحتفظ بشرفه عاش في قلق وهم من المطالب الكثيرة التي تحيط به، والتي يستطيع أن يحتملها في نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يحتملها في أهله وولده.