تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى الجملة يغمر الناس نوع من الفيض، يعجز القلم عن وصفه.

وبعد صلاة العصر من ذلك اليوم ينهض خطيب عرفة، ويصعد بناقته على الجبل، ويقف على الصخرة التي وقف عليها رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، ويخطب خطبة يعلم فيها الناس مناسك الحج، ويكثر فيها من التلبية والدعاء، ومن دونه قوم يبلغون قوله للناس، ويلوحون بمناديل يشيرون بها إلى التلبية، فيتابعه كل الناس بتلبيتهم؛ فتتحد نداءاتهم، ويغمر الناس شعور غريب.

وهو موقف يمكن أن يستغله المسلمون أحسن استغلال، فيؤتى بالمكبرات الصوتية، وتعد فيه الخطب الرائعة باختلاف اللغات؛ متضمنة نصيحة المسلمين بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وما يوقظ هممهم، ويحيي آمالهم، ويوحد صفوفهم، ويوجههم أصلح وجهات الحياة؛ وفي هذا الاجتماع فرصة كبيرة لتلاقي ذوي الرأي من المسلمين في الأجناس المختلفة، يتبادلون الرأي فيما يصلح أممهم، وينير السبيل لمستقبلهم.

إذا لأدى الحج خدمة كبرى اجتماعية، بجانب الشعائر الدينية.

حتى إذا غابت الشمس في الأفق أعلن تمام الموقف، فينفر الناس من عرفات هاتفين هتاف الفرح والسرور على ما وفقهم الله من أداء الفرض.

هذا ما يفعل الحجاج في هذه الليلة، وهم قد أتموا وقوفهم بعرفة، وسعدوا بهذا المنظر الجميل، وامتلأت نفوسهم؛ رغبة في الخير، وحبا في الله، وهم في مثل هذا الوقت يفيضون من عرفة عائدين إلى المزدلفة؛ ليتموا شعائر الحج.

هذا هو الوقوف بعرفة، وهو أهم ركن من أركان الحج، من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج؛ والعلة في ذلك أنه أهم جزء في الحج يحقق حكمته، ففيه يجتمع المسلمون من جهات العالم في وقت واحد، ومكان واحد، يتجهون اتجاها واحدا ويهتفون هتافا لغرض واحد؛ متضرعين إلى الله، راجين منه تكفير خطاياهم، راغبين توالي نعمه عليهم، والنفوس إذا تجمعت بهذه الكيفية لا يخليها الله من رحمته، ولا يحرمها من إجابة ما تطلبه؛ وقد رمز رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إلى ذلك بقوله: «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة»؛ فقد تطهرت النفوس فيه بالندم على ما جنت، وعقدت فيه العزم على افتتاح صفحة جديدة في حياتها تتجنب الإثم، وتفعل ما أمرت به، وهذا المكان لم يصل إليه الحجاج إلا بكثير من المشقة، وكثير من الشوق، فتتفتح النفوس لتحقيق هذا الغرض، وتتوالى عليها رحمة الله ومغفرته.

وفي الحج كل عام رباط بين المسلمين وتوثيق لصلاتهم، وتعظيم لشعائر الدين التي توارثها الناس جيلا عن جيل إلى إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - واجتماع كلمة المسلمين، ومجال للتفكير في شئونهم، ومداولة الرأي فيما جد من أمورهم، ومداواة ما لحق بهم، والعمل على إنهاضهم.

وبينما يقف الحجاج بعرفة ويتمون مشاعرهم بالمزدلفة ومنى، يشترك من لم يقدروا على الحج بهذه الذكرى، فيتخذون هذه الأيام أيام عيد، ويصلون صلاة العيد، ويهتفون هتاف الحجاج: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، فتتجاوب هذه النداءات في جميع الأقطار، ويهتفون: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده؛ فتتلاقى قلوب المسلمين وهتافاتهم على معنى واحد، واتجاه واحد؛ وذلك أحرى أن يتعاونوا على الخير، ويتواصوا بالحق وبالصبر، يهتف القوم في أماكن الحج، فيردد المسلمون نداءهم في بقاع الأرض.

| بساطة العيش

تعجبني الحياة البسيطة لا تعقيد فيها ولا تركيب، وأكره ما أكره التكلف والتصنع، وتعقيد الحياة وتركيبها.

ويظهر - مع الأسف - أن المدنية والحضارة تميل دائما إلى تعقيد الحياة، وكلما قرأت في الحضارات المختلفة؛ رومانية، أو إسلامية، أو أوربية حديثة، وجدتها جميعا تتشابه في الميل إلى التعقيد والتركيب، والإسراف في البذخ والترف والرفاهية؛ ففي الحضارة الإسلامية - مثلا - قرأت أن الوزير ابن الفرات تناهى في الترف حتى ما كان يأكل إلا بملاعق البلور، وما كان يأكل بالملعقة إلا لقمة واحدة، فكان يوضع له على المائدة أكثر من ثلاثين ملعقة، وذكروا عن المأمون أن مائدته كانت تبلغ في بعض الأحيان ثلاثمائة لون، وكان راتب أبي طاهر وزير عز الدولة من الثلج في كل يوم ألف رطل، ومن الشمع في كل شهر ألف من، وغضب المأمون على جارية له فأرسلت إليه تفاحة من العنبر مكتوبا عليها بالذهب «يا سيدي تبت».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠١٥