تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يخرج الناس من مكة على هذا الوضع، لا تتبين منهم غنيا ولا فقيرا، ولا شريفا ولا وضيعا، فالغنى والفقر والشرف والضعة، أوضاع خلقها الناس، واصطنعوها وزيفوها، يخرجون على إبلهم ودوابهم، وحبذا لو استمر ذلك؛ فالمظهر كله منسجم، أبسط ثياب على أبسط دواب، ولكن في السنين الأخيرة زاحمت السيارات الإبل فغلبتها، وأضاعت انسجام الحياة، فتميز غني من فقير، ومكثر من مقل.

يتجه الخارجون من مكة إلى عرفة نحو الشرق، ثم يميلون ميلا خفيفا إلى الجنوب، وإذ ذاك يسيرون في واد بين جبلين، وبعد مسافة ليست بالطويلة تجد على يسارك جبلا سمي جبل النور، بني على قمته العالية قبة يلمع بياضها.

هناك في هذه القمة غار يبلغ ثلاثة أمتار في مترين، كان يخرج إليه النبي

صلى الله عليه وسلم

فيقضي فيه الأيام ذوات العدد؛ حتى قد تبلغ الشهر، كان يفر إليه من الناس وضوضائهم وباطلهم، كان يشرف من أعلى هذا الجبل على العالم من تحته؛ فينعم بالطبيعة وجمالها، والليل وهدوئه، والسماء ونجومها، ثم يفكر في الناس فيهزأ بسخافاتهم هزؤا مشوبا برحمة، واستخفافا ممزوجا بعطف.

كان يهرب إلى هذا الغار؛ لأنه عرف باطل الناس وأراد الحق، وعرف ما هم فيه من ظلام، وطلب النور؛ حتى إذا تهيأت نفسه للحق، واستعدت روحه لليقين، نزل عليه الوحي فلمع في قلبه النور الإلهي، فإذا الحق واضح، وإذا الله معه، ونزل من الغار يدعو الناس أن يستضيئوا بضوئه وأن يحيوا قلوبهم من حياة قلبه، وأن يروا عظمة الله في كل أثر من آثاره.

ذلك هو جبل النور الذي يمر عليه السالك من مكة إلى عرفة، وهذا هو غار حراء الذي في قمته.

ثم ينعطف السائر نحو الجنوب ويسير نحو خمسة كيلو مترات فيصل إلى منى، وعند دخولها يجد السائر على يساره جمرة العقبة، وهي حائط من الحجر ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار، وعرضه نحو مترين، أقيم على قطعة من الصخر، وبني أسفل هذا الحائط حوض يسقط فيه الحصى الذي يرميه الحجاج، هذه هي جمرة العقبة التي يرميها الحجاج بما يجمعون من حصى بعد عودتهم من عرفة ؛ رمزا إلى أنهم قد قويت إرادتهم، وغزوا بواعث الشر في نفوسهم، ورجموا الشيطان؛ فلم يستمعوا لدعوته، ولم يقعوا في حبائله التي ينصبها عن طريق الشهوة.

ومنى مكان متسع يخيم فيه الحجاج قبل رحيلهم إلى عرفة وبعد عودتهم، وفيها سبيل يمجد ذكر مصر، وينتفع به الحجاج من سائر الأقطار، يتزودون من مائه الذي جلب إليه من عين زبيدة، فيوفر عليهم كثيرا من العناء، ويسبغ عليهم الرخاء والهناء.

وفي اليوم التاسع من ذي الحجة - أي في مثل يومنا هذا - يخرج أكثر الحاج من منى قاصدين عرفة، فيسيرون في واد بين جبلين يتسع حينا، ويضيق حينا، يمرون فيما يمرون على المزدلفة بعد ساعتين من منى، وعلى مسجد نمرة، وبعد قليل من المسجد تجد العلمين؛ وهما عمودان من البناء يبعد أحدهما عن الآخر، يرتفع العمود نحو خمسة أمتار في عرض نحو ثلاثة، وهما يدلان على حدود عرفة فيما وراءهما؛ وإذ ذاك تجد جبلا قد حلق على الوادي وأقفله في شكل قوس كبير؛ هو جبل عرفة، وفي الجهة الشمالية منه لسان يبرز إلى الغرب يسمى جبل الرحمة، وفيه صخرة كان يقف عليها الرسول

صلى الله عليه وسلم

وعليها يقف الخطيب اليوم.

في هذا المكان في جبل عرفة يقف الحجاج جميعا على اختلاف مذاهبهم يوم التاسع، وجزءا من ليلة العاشر، يعجون بالتلبية والدعاء، والتسبيح والتهليل، ومن قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

عند ذاك ترى منظرا عجبا؛ قد تجمع آلاف الناس في هذا الجبل وحوله بملابسهم البيضاء، واتحدوا في التوجه إلى الله على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، قد ربطتهم وحدة الدين، وألفت بينهم وحدة القصد، اتجهوا كلهم إلى الله يزلزلون الجبل بدعائهم وتلبيتهم، قد نسوا دنياهم، ونسوا أنفسهم وتعلقت أرواحهم بربهم، يتجلى على وجوههم الوجد والهيام، وتغلبت روحانيتهم على ماديتهم، وانقلبوا ملائكة أطهارا؛ هذا يستغفر مما جنى، وهذا يندم على ما فات، وهذا يعاهد الله على الطهر الدائم، وهذا يبكي ندما، وهذا يستبشر أملا؛ وكلهم متعلقون بربهم، يرجون افتتاح حياة جديدة؛ عمادها التقوى والإخلاص، وهم يتنقلون من نوع من الهتاف إلى نوع آخر، هؤلاء يعجون: لبيك اللهم لبيك، وهؤلاء يتلون آيات من القرآن في عظمة الله ووحدانيته.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠١٤