تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن الدين أهم باعث على الأخلاق، فهو يدعو إلى الأخلاق دعوة حارة، دعوة ممزوجة بالعاطفة، ممزوجة بالإيمان، قد يدعو العقل والفلسفة والعلم إلى الفضيلة من حيث هي حق ومن حيث هي نافعة، ولكن دعوة الدين إليها أقوى؛ لأنه يسبغ عليها من روحانيته، ويربطها بالثواب في الدنيا والآخرة، ويربط بينها وبين الضمير فيجعلها مطلوبة لذاتها، ومطلوبة لثوابها، ولذلك كانت دعوة الدين إلى الأخلاق مناسبة للخاصة والعامة، بينما دعوة الفلاسفة والعلماء للفضيلة لا تناسب إلا الخاصة، ثم الفرق بينهما كالفرق بين ما يصدر عن العقل من نظريات علمية هادئة باردة، وبين ما يصدر عن القلب من حب ممزوج بالحرارة والقوة والحماسة، ولذلك كان تغيير وجه البشرية صدر عن رجال الدين أكثر مما صدر عن الفلاسفة ورجال العلم، بل إن الدين يمد الفلسفة والعلم والفن بروح منه، ويجعلها أقرب إلى إدراك الحق والجمال.

الدين هو الذي أنشأ المعابد تهتز فيها ولها قلوب الناس، وتتحرك عواطفهم في لذة واشتياق إلى هذا المعبود الذي فوق الطبيعة، وهو الذي حرك العواطف لإنشاء معاهد البر والإحسان والملاجئ والمستشفيات، فخفف بؤس البائسين وعوز المحتاجين، والدين هو الذي حرك نفوس الفنانين، فصاغت عواطفهم أروع الآثار الفنية من مساجد وكنائس ومعابد، وهز نفوس الأدباء، فأنتجوا لنا روائع الأدب الصوفي، والشعر الديني، والابتهالات التي تفيض بالعواطف وتسيل عذوبة ورقة، والدين كان عماد التربية والتعليم بفتح المدارس ونشر التعليم، وكانت الدراسة الدينية باعثة على الدراسة الدنيوية، وكان مثارا للبحث والجدل، وبعث العقول على التفكير، سواء في تأييد العقائد أو تفنيدها، مما بث في العقول حياة لولاه لخمدت، واعتبر ذلك بالثروة الكبيرة في التأليف الديني وما حوله عند كل الأمم المتحضرة، واعتبر ذلك أيضا عند المسلمين؛ فقد كان جمع اللغة لفهم القرآن، ودراسة النحو والصرف لتقويم اللسان للقرآن، ووضع علوم البلاغة لفهم إعجاز القرآن، وهكذا.

والدين هو الذي يتجلى في أسمى مظاهر الإنسانية ولا سيما في أوقات الشدائد، من عطف على الفقراء، ومواساة الجرحى والمنكوبين، ومن أصيبوا بزلزال أو بركان أو حريق أو غرق، فإذ ذاك تتحرك النفوس للنجدة يحدوها الدين.

فلنتصور - إذا - ما يكون شأن الإنسانية إذا فقدت كل هذه النظم والمؤسسات والعواطف والمشاعر والأخلاق، إن العالم بلا دين عالم بلا قلب، إنه جفاف، إنه نظريات هندسية لا روح لها.

نعم ... حدث في التاريخ أضرار كثيرة باسم الدين كالغلو في العصبية الدينية، وما نشأ عنها من تعذيب، وسفك دماء، واضطهاد، وكانتشار الخرافات في بعض الأديان، وكضيق النظر واضطهاد العلم والعلماء، والجمود على بعض النصوص إلى درجة التحجر؛ ولكن أكثر هذه الأضرار يرجع إلى فساد يعتري المتدين، أكثر مما يرجع إلى الدين نفسه ... وإلى سوء فهم بعض رجال الدين أو مكرهم، أكثر مما يرجع إلى الدين نفسه.

وبعد؛ فالدين نعمة على المجتمع الإنساني، وهو طبيعة من طبيعة الإنسان، وخير الأديان ما سما بالعاطفة، وأوسع المجال للعقل، وبنيت تعاليمه على خير الفرد، وخير الإنسانية.

| يوم عرفات

في هذا اليوم يقف المسلمون من جميع أقطار العالم على جبل عرفات، يؤدون شعيرة من أهم شعائر الإسلام، ولست أنسى ذلك اليوم وقد وقفت فيه هذا الموقف منذ ثلاث سنوات، فكان موقفا رائعا جليلا لا تغيب ذكراه على مدى الأيام؛ ففي السابع والثامن من شهر ذي الحجة يخرج الناس من مكة قاصدين عرفة؛ وهم محرمون؛ قد لبسوا لباسا ساذجا بسيطا، رداء أبيض، ونعلين بسيطين، قد عريت رءوسهم، وتجنبوا لبس المخيط، يرمزون بلبس البياض إلى طهارة القلب، وطهارة الأعمال، ونقاء السر والعلن، ويتجنبون المخيط؛ ليدلوا بعملهم على بساطتهم الأولى، وتجردهم من زخرف المدنية وتعقيد الحضارة، ويمثلون بفعلهم ولباسهم ما كان يفعله ويلبسه أبوهم إبراهيم - عليه السلام - وهو الذي أذن في الناس بالحج؛ فأتوه من كل فج؛ فهم بإحرامهم هذا قد ذكروا الإنسان في بساطته قبل أن تقيده المدنية بقيودها الثقيلة وتقاليدها المتعبة؛ حتى كأنهم يقولون: إننا رجعنا إلى الله كما خلقنا، متساوين في مظاهر العيش، متخلين عن الأبهة الكاذبة، والمعيشة المصطنعة، لقد أخرجنا الله إلى هذا الوجود متساوين في التجرد، فلبسنا في مهدنا أبسط اللباس، وسنموت فنكفن في أبسط لباس، فلنذكر ذلك كله الآن في ملبسنا البسيط المتساوي، ونكون أقرب إلى الله قرب المولود من خالقه، والميت من ربه، ونحن زاهدون في زخرف الحياة كما يزهد الراهب الصادق في ترهبه، أو كما يزهد المتصوف المخلص في تصوفه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠١٣