ومن آثار ذلك أن الكتاب الأدبي الذي يطبع في مصر أكثر انتشارا مما يطبع في أي بلد آخر، وكذلك مجلاتها وصحفها، والعالم العربي أكثر معرفة، وأشد تعلقا، وأقل تأثرا بالأديب المصري.
ولعل سبب ذلك واضح؛ فقد سبقت مصر العالم العربي في تاريخ نهضتها، وفي وفرة ثروتها، وفي شدة اتصالها بالغرب، وكثرة عددها لا بد أن ينتج عنه كثرة المتفوقين فيها.
ومع هذا - فمن الأسف - أنها لم تشعر شعورا قويا بمركزها الأدبي هذا كما يشعر به غيرها، ولو فعلت لزاد شعور قادتها بالمسئولية كما ينبغي.
ولنا كبير الرجاء في أن نسرع الخطا، وخاصة بعد نيل استقلالنا الصحيح؛ حتى نعالج وجوه نقصنا، ونستكمل مزايانا. والسلام.
| وظيفة الدين في المجتمع
لنتصور مدينة من المدن عاش أهلها من غير دين، لا مساجد ولا كنائس ولا شعائر، ولا اعتقاد بإله ولا بيوم آخر، ولا جزاء من ثواب أو عقاب، ولو ساروا في حياتهم وفق العقل، فماذا يكون شأنهم؟ وهل يكونون سعداء؟!
إني أتصورهم يعيشون عيشة جافة شقية، أفقهم في الحياة ضيق محدود بعمرهم القصير في الحياة الدنيا، إذا مرضوا أو أصيبوا بفقد عزيز عليهم جزعوا أشد الجزع؛ إذ لا حياة بعد هذه الحياة، في نظرهم، وإذا تقدمت بهم السن شعروا بفراغ لا يملؤه شيء، وجمهورهم لا يجد سندا للأخلاق، فالفضائل والرذائل ليس عليها مكافأة إلا في هذه الحياة، فمن استطاع أن ينجو من عقوبة القانون أو عقوبة الرأي العام، ارتكب من الجرائم ما استطاع؛ إذ لا وازع له من دين أو ضمير، فعاشوا من أجل ذلك كله عيشة تعيسة لا يلطفها الأمل، ولا تريحها الطمأنينة.
إن الإنسان يتكون من عقل وشعور، ولا يستطيع أن يعيش بدونهما، أو بدون أحدهما، ولا بد من إمدادهما بالغذاء الدائم، وغذاء العقل العلم، وغذاء الشعور الدين، والحياة على أساس العقل وحده والعلم وحده حياة خالية من عطف ورحمة وإنسانية، وفي ذلك البلاء المبين، وإذا كان الإنسان قد خلق وله عقل يتغذى بالعلم، وشعور يتغذى بالدين، يتبين لنا أن التدين من طبيعة الإنسان، كما أن العقل من طبيعته، ولهذا لازم التدين الإنسان منذ عرف تاريخه، بدويا أو حضريا في كل الأقطار والأقاليم، مهما اختلف مقدار رقيه، ومهما اختلفت أشكال عبادته ومعابده.
والدين يكون جزءا هاما من مدنية كل شعب وحضارته، ويؤثر أثرا كبيرا في حركاته السياسية والاجتماعية؛ حتى في المدنية الغربية الحديثة مع إيمانها التام بالعلم وانطباعها بطابعه، لا يزال للدين الأثر البالغ في منازعها السياسية والاجتماعية، فعلاقة أمم النصرانية بعضها ببعض، وعلاقتها بغيرها من أهل الأديان الأخرى وفهمها الحقوق والواجبات والمبادئ التي تسيرهم في مجتمعهم وهكذا، كلها متأثرة بالدين، ومهما تنازع العلم والدين ودعا دعاة منهم إلى الإلحاد فإن الدين يمس قلوب الناس حتى الملحدين، وهم يأبون أن تتخلى قلوبهم عنه؛ لأن هذا هو فطرتهم وطبيعتهم، ومن تجرد منه أحس القلق والاضطراب إحساس من شوهت طبيعته.
أساس الدين الإيمان بقوة فوق المادة، وفوق أن يدركها العقل، وأنها المدبرة للعالم، السائرة به إلى نهاية المنبع الذي تصدر عنه الأخلاق التي تنظم حياته من حيث هو فرد، ومن حيث هو عضو في مجتمع.
وفي هذا اتفقت كل الأديان تقريبا وإن اختلفت في تفاصيلها وشعائرها.
هذا الدين على هذا الوضع كان سببا في تقوية الروابط بين الجماعات والأمم، فكل جماعة تدين بدين، يؤلف بينها الدين، ويوثق بين أفرادها، ويشعرهم بالوحدة ويكون أساسا بينهم للترابط والتعاون؛ وهذا سبب - من غير شك - يسلمهم إلى الرقي؛ كذلك كان الأمر بين أهل الديانات القديمة كديانة قدماء المصريين والصينيين، ثم بعد ذلك في اليهودية والنصرانية والإسلام، فإذا نحن عددنا من الروابط المدنية بين أفراد الأمة الواحدة اللغة والجنس والإقليم، وجب علينا أن نعد من أهمها رابطة الدين، وكما كانت كل رابطة من هذه الروابط سببا في تقدم الجنس البشري، فكذلك كانت رابطة الدين.