تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شعر قارئه بما يعانيه من فك القيود التي قيده بها التاريخ، وظلم الحكام، والطبقات الأرستقراطية، وهو - لذلك - ينفس عن نفسه بالنكتة الحلوة، والنوادر المستملحة، وهو - في هذا - لا يجاريه أي شعب عربي آخر، فجرائده ومجلاته الفكهة لا تبارى، وله في هذا الباب وغيره ذوق مرهف يتجلى في حسه الدقيق بجمال الفن؛ من غناء، ونكت، ونوادر، وأدب.

وعلى كل حال فهذه المسألة - مسألة الشخصية المصرية - تحتاج إلى دراسة عميقة طويلة وبحث مستقل، وهي عرضة للأخذ والرد وتضارب الآراء، فنكتفي منها بهذه اللمحة.

أما بعد؛ فما مركز مصر الأدبي الآن؟

إن نحن نظرنا إلى إنتاجها مقارنا بالأمم الأوربية كإنجلترا وفرنسا وألمانيا وأمريكا، بل ما هو أقل منها مساحة وعددا كبلجيكا، رأيناها متخلفة تخلفا كبيرا؛ حتى لو راعينا نسبة الإنتاج إلى المساحة، وعدد السكان، سواء ذلك في الكم والكيف.

وسبب ذلك يعود إلى أمور؛ أهمها في نظري: (1)

أننا أحدث عهدا بالمدنية الحديثة، فهذه الأمم بدأت نهضتها من نحو ستة قرون، على حين أن نهضتنا لم يمض عليها قرنان؛ وفي هذه القرون الستة جربوا، واستمدوا، وأنتجوا، وسايروا مدنيتهم، وجودوا إنتاجهم، وانتفعوا بكل جديد؛ وإذ كانت هذه الأمم مشاركة في بناء المدنية الحديثة، كانت مشاركة - أيضا - ومستفيدة ومتعاونة، بعضها من بعض؛ فالثقافة الفرنسية لا تلبث أن تنقل إلى الإنجليز والألمان وهكذا، مما جعل العقول والأفكار والفنون والآداب يعمل في خلقها كل هذه الأمم، فتتقارب وتتمازج وتتساقى وتتزاوج وتتوالد، أما نحن فنعمل بأيدينا وحدنا، وهي لا تزال غضة ناعمة. (2)

ثم إن ثقافتهم وأدبهم منهم، ومن نتاج أنفسهم، ومشتق من جنس حياتهم، ونحن في كثير من الأمر نعتمد على التقليد، وأنماط الحياة مختلفة، والتاريخ مختلف، والظروف الاجتماعية مختلفة. (3)

ثم يجعل تقدمنا بطيئا أن أدبنا مزدوج، وأدبهم موحد، والموحد أسرع سيرا من المزدوج، فنحن - بحكم ظروفنا - بين أدبين، قديم نرجع إليه بحكم أنه أصل أدبنا، وجديد نستمده من الأدب الغربي، وهناك أدباء هم - في الأكثر - نتاج الأدب القديم، وأدباء نتاج الأدب الحديث، وعملية المزج التام والتوحيد لم تتم بعد، وإن كانت سائرة في بطء.

ثم مسألة شائكة جدا معقدة جدا، وهي أن أدبهم يغذي جميع شعوبهم؛ فالأدب الإنجليزي يغذي كل الإنجليز، والفرنسي كل الفرنسيين، ويتنوع حسب مقدار الثقافة لأفراد الشعب، فما على الفرد إلا أن يقرأ ويكتب - وليس هناك أمي - حتى يجد غذاءه الأدبي المناسب له، للقرب بين لغة الكلام، ولغة الأدب المقروء والمسموع، أما نحن فالنتاج الأدبي كله، مهما خف وزنه، ومهما عددت فيه من الجرائد والمجلات الخفيفة، لا يغذي - على أكثر تقدير - إلا خمس الأمة أو 20٪، وهم الذين يقرءون ويكتبون، مع أن كثيرا منهم لا يتذوق هذا الأدب المعرب، والأربعة الأخماس الباقية تعيش من غير غذاء أدبي مطلقا، للأمية أولا وللفروق السحيقة بين لغة التخاطب ولغة الأدب ثانيا ، ولسنا نبذل أي جهد في معالجة هذه المشكلة، فلا نحن مستطيعون أن نجعل السواد الأعظم من الشعب يقرأ ويفهم اللغة الكلاسيكية المعربة، ولا نحن مستطيعون أن نغير اللغة إلى لغة الشعب أو ما يقرب منها، مع أن أدب كل أمة لا يصح أن يكون أدب خاصة لا عامة، فللشعب حقه في الأدب والغذاء العقلي، كحقه في الغذاء المعدي.

أما إن نحن نظرنا إلى مصر كوحدة في الأمم العربية، فإن كان أساس المقياس قلة الأميين وعدد المثقفين بالنسبة إلى عدد الأمة، فمصر في المرتبة الثالثة بعد لبنان - أولا - إذ يبلغ عدد الأميين فيها 18٪ فقط، وبعد سوريا ثانيا.

أما إن نحن اتخذنا المقياس وفرة النتاج الأدبي وقادة الحركة الأدبية على اختلاف أنواعها فمصر - بحق - هي زعيمة العالم العربي؛ فصحافتها أرقى صحافة عربية، ونتاجها في البحوث الأدبية والقصص والمقالة ونحو ذلك أرقى من غيره، ولست الآن بمستطيع أن أجزم بزعامتها الشعرية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠١١