تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالصحافة في مصر جارت الصحافة الأوربية وقطعت شوطا كبيرا في التقدم، تغذيها أقلام الكتاب المنشئين والمترجمين، ولو جمعت ما يخرج منها كل يوم لأخذك العجب من كمها وكيفها، وقد أثرت أثرا كبيرا في نشر الثقافة بين الشعب، كما أثرت في تمرين أقلام الكتاب وصقلها وتدفقها، وكان لها أكبر الفضل في تحويل النثر من مقيد إلى مرسل، فالأسلوب الصحفي أسلوب يجب أن يكون متدفقا سريعا؛ ليماشي سرعة الحوادث وسرعة الحركة، وقد أشعلها وملأها حرارة نهضة المصريين في طلبهم الاستقلال، وطموحهم إلى الإصلاح الاجتماعي؛ وخاصة بعد الحرب الماضية، فكانت مصر والصحافة كل منهما فاعل ومنفعل، مؤثر ومتأثر، وتفننت الصحافة مع الزمن فنوعت موضوعاتها؛ من سياسة وأدب ونقد وفكاهة، وقل أن ترى أديبا لم يتصل بالصحف من قريب أو من بعيد، فهي تغذيه وتتغذى منه.

كذلك نشطت حركة الإنتاج القصصي والتمثيلي، وكان تأثير الأدب الغربي في هذا الباب واضحا؛ فلم يعتمدوا كثيرا على القصص العربي القديم؛ كالمقامات، وألف ليلة، وكليلة ودمنة، وإنما وجهوا وجهتهم نحو الأدب الغربي يحتذونه، وإن كانوا قد اتخذوا الحياة المصرية أو الشرقية موضوعهم، فاتخذ جورجي زيدان أهم الحوادث الشرقية موضوعا لرواياته التاريخية، وكانت عنايته بالأحداث التاريخية أهم من عنايته بالأسلوب الأدبي، وقد جمع بين العناية بهما معا الأستاذ محمد فريد أبو حديد في ابنة المملوك والملك الضليل وزنوبيا والمهلهل.

ثم قصص آخر في نقد العادات القومية، افتتحه المويلحي في حديث عيسى بن هشام، وجاء بعده كثير من الكتاب القصصيين ، رقوا بالقصة المصرية خطوات بعيدة، كزينب لهيكل، والأيام لطه حسين، وسارة للعقاد، والقصص الكثيرة البديعة لمحمود تيمور، وتوفيق الحكيم، ولا أريد أن أحصي ولكني أريد أن أمثل، وبجانب هؤلاء طائفة من أدباء الشباب ينتجون ويجودون.

ويطول بنا القول لو فصلنا كل ناحية من نواحي الأدب كالمقالات الأدبية والاجتماعية؛ فقد خطت في العشرين سنة الأخيرة خطوات واسعة، وبلغت شأوا بعيدا في الأدب العربي بفضل المجلات الأدبية ونجاحها.

ثم التأليف الأدبي من دراسة للأدب في العصور المختلفة، أو في عصر خاص، أو أديب بعينه، أو مشاهير الرجال، أو نحو ذلك، وربما لفت نظر مؤرخ الأدب في مصر تخلف حركة النقد الأدبي عن غيرها من الحركات، وليس يؤدي الأدباء هذا الواجب حتى تكون لدينا مجلات تعنى العناية التامة بتعريف الناس بما تخرجه المطابع في فنون الأدب تعريفا صحيحا، ونقده نقدا مخلصا، فيعكف الناقد على الكتاب يقرؤه في دقة وإمعان، ويبين منزلته مما سبقه في بابه، ويذكر محاسنه وعيوبه في صدق وإخلاص وصراحة.

بذلك يهدي القراء إلى ما يجب أن يقرءوا وما لا يقرءون، ويحمل المؤلفين على أن يجودوا ما يؤلفون، أما التقريظ المطلق أو التجريح المطلق فليس من النقد في شيء، وهو يضر القراء والمؤلفين، والحركة الأدبية نفسها ضررا بليغا؛ ونحن إلى الآن لم نبلغ هذه الدرجة المنشودة ولا قربنا منها، بل لم نتقدم في العشرين سنة الأخيرة تقدما يتناسب وتقدم الإنتاج الأدبي؛ وعلة ذلك كسل الناقد، وقلة شجاعته، وضيق صدر المنقود، وعدم قدرته على تقبل النقد بنفس رياضية، ولا تزال الحركة الأدبية تنتظر المهدي الهادي في هذا الباب. •••

ثم لمصر شخصية خاصة في أدبها؛ فالطبيعة التي ميزت وجوه أهلها عن وجوه الشاميين والعراقيين والحجازيين، وميزت نفسيتهم عن نفسية الآخرين، ميزت كذلك أدبهم؛ فلإقليم الأمة أثره، ولتاريخها المتتابع أثره، ولقانون الوراثة أثره، غاية الأمر أن الأمر في النفس والأدب أغمض من الأمر في اختلاف الوجوه والملامح.

ومع هذا فيمكننا أن نلمح هذه الشخصية الأدبية في الأسلوب، فنحن إذا قرأنا أو سمعنا أساليب لأمم شرقية مختلفة أمكننا أن نميز ما كان منها مصريا أو شاميا أو عراقيا، فالأسلوب المصري سهل كسهولة أرضه، جار مع الطبع جري النيل، خفيف اللفظ خفة الهواء، تفيض فيه العواطف من غير ضبط، فيضان النيل إبانه، وتسيح سيحانه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠١٠