فأما ما يلازم الإنسان في جميع حياته سواء كان الحكم أوتوقراطيا أو ديمقراطيا كالحب والغزل فظل في الجديد، كما كان في القديم؛ ويغنيه شوقي في القصر، وإسماعيل صبري في وكالة الحقانية، كما يغنيه شاعر الربابة؛ وإنما حدث له التجديد من ناحية أن المجددين من شعراء الغزل تركوا التكلف والتقليد، وعبروا عن عواطفهم هم، وحللوها، وصاغوها في فن رقيق دقيق، وأفاضوا عليها من إحساسهم وشعورهم.
ثم كان جديدا الإفاضة في شعر السياسة والاجتماع بما يعبر عن آلام الأمة وآمالها، ويتغنى بالحرية، وينعى على الظالمين ظلمهم، وينادي بتحرير المرأة، وإغاثة البؤساء، وهكذا.
كما اتجهوا - وإن لم يكن كافيا وافيا - إلى شعر الطبيعة وجمالها؛ كوصف شوقي لدمشق ولبنان ... إلخ.
وكان من أثر احتكاك الشرق بالغرب أيضا ظهور الشعر التمثيلي في الأدب العربي، كما يتجلى في اتجاه شوقي الأخير، فقد اتجه آخر أمره إلى الشعر التمثيلي، وفي رأيي أنه لو اتجه إليه في شبابه لكان أكثر إجادة، فحرارة الشباب، وحركاته الرشيقة التمثيلية، لا تغني عنها حكمة الشيوخ ورزانتهم ووقارهم؛ وفي الحق أنه بدأ هذا الاتجاه وهو شاب في فرنسا فنظم قصة علي بك الكبير، ولكنه لما عاد حكم عليه منصبه في القصر أن يقول في الشعر التقليدي، وأخيرا جدا عاد سيرته الأولى؛ فألف مجنون ليلى، وقمبيز، ومصرع كليوباتره، وعنترة، وأميرة الأندلس - والأخيرة نثرية - وقد قفا أثره في عصرنا عزيز أباظة. •••
لئن كان الشعر في مصر يزحف زحفا، ويسير الآن جيشا بلا قائد، فإن النثر يقفز قفزا، ويؤدي أغراضه في نجاح أتم وأوفى.
والسبب في سرعة تقدم النثر عن الشعر - فيما يظهر لي - أن النثر أمس بالحياة الواقعية والناس إليه أحوج؛ في الصحافة إذا حرروا، وفي الخطابة إذا خطبوا، وفي القصص إذا قصوا ... إلخ، والحاجة تفتق الحيلة، وتكثر المران، وتجعل الناثرين أكثر عددا من الشعراء؛ فيزداد مقدار الإنتاج ويجود، حاجة الناس إلى النثر كالغذاء على المائدة، والشعر كالأزهار عليها، ولا يستطيع الناس الاستغناء عن الغذاء، ولكن قد يستطيعون أن يستغنوا عن الأزهار؛ ثم إن الشعر أكثر قيودا من النثر؛ بقوافيه وأوزانه وخيالاته وأساليبه، والنثر يستطيع أن يتحرر من قيود السجع والمحسنات البديعية، ثم يكون نثرا مرسلا جميلا، أما إذا تحرر الشعر من الأوزان والقوافي فلا يسمى شعرا بالمعنى الدقيق للشعر، وشتان - في السير - بين رجل مقيدة، ورجل طليق.
ثم إن النثر يستساغ إذا كان وسطا، وإذا كان جيدا، ولكن الشعر يصعب أن يستساغ وسطا، فإما أن يكون جيدا وإما لا، كالزهرة لا تحب إلا ناضرة، فإن ذبلت فخير منها عدمها.
على كل حال إذا نحن قسنا النثر في عهد الشيخ حسن العطار، بالنثر في عهد الشيخ رفاعة الطهطاوي، بالنثر في عهد عبد الله باشا فكري، بالنثر في عهد السيد مصطفى لطفي المنفلوطي، بالنثر اليوم، رأينا مصداق ما أقول من أنه يقفز قفزا؛ سواء من ناحية أسلوبه، أو موضوعه، كان أهم تقدم للنثر تحرره من طريقة ابن العميد، والقاضي الفاضل، وتكلف السجع وتحري فنون البديع، ففك عنه هذه الأغلال وجرى في سلاسة وطلاقة، وهو مدين بهذا لعاملين: اطلاع الأدباء على الأدب الغربي، وقد رأوا فيه البساطة، والترسل، والعناية بالمعاني أكثر من العناية بالبديع، ثم رجوعهم إلى النثر القديم في العصر العباسي الأولى مثل ابن المقفع والجاحظ والأصفهاني، قبل أن يغرقه في الزينة الحريرى وابن العميد وابن عباد.
ثم إنه قد حدث للنثر الحديث ما حدث في العصر العباسي الأول؛ لقد نقل الجاحظ الأدب على أثر امتزاج الثقافات، فجعل كل شيء صالحا لأن يكون موضوع أدب، حتى اللصوص والبخلاء، وحتى الحيوانات؛ فلما جاءت النهضة الحديثة كان الأمر كذلك؛ فقد كاد موضوع الأدب ينحصر فيما يسمونه بالإخوانيات؛ من لوعة اشتياق، أو شكر على إهداء كتاب، أو عتاب على تقصير في زيارة، أو نحو ذلك، فاتسع معنى الأدب، واتسع موضوعه، وصار النثر أداة للصحافة في شتى الموضوعات، وأداة للقصص والتمثيل، والبحوث الاجتماعية والأدبية والنقدية، وكان أثر الغرب واضحا فيه في معالجة موضوعاته وفي تحليلها وبسطها، وأثر الأدب العربي القديم في الأساليب، كل أديب على قدر ثقافته، واستمداده من هذا المنبع أو ذاك.