ومن ذلك الحين بدأت مصر تتصل بالغرب سياسيا وثقافيا - والذي يعنينا هنا هو الناحية الثقافية - وظل هذا المدد يتدفق في عهد محمد علي بإحضاره الأوربيين، والاستعانة بهم في تنظيم مرافق الحياة؛ ومنها الثقافة، وبإرساله المبعوثين من المصريين إلى أوربا؛ لتعلمهم، وسال هذا السيل بعد في عهد إسماعيل، ثم إلى الآن.
هذا الامتزاج والاتصال غير الحياة العامة فتغير الأدب العربي على أثرها، فالأدب - كما قالوا قديما - سجل الحياة.
فمن عهد حملة نابليون زالت سلطة المماليك، وتفتحت عيون الشعب المصري لتحسين حاله، وترقية معيشته، والوقوف على حقوقه، وتكوين جامعته الوطنية، وتأسيس حياته الاقتصادية ، بدأ كل هذا نواة، واستمر ينمو إلى اليوم.
ومن ناحية أخرى أخذ يقلد المدنية الغربية في الصحافة والتمثيل والطباعة والمطالبة بالحقوق، ويقرأ خاصته ما ينشر في الغرب، ويدرسون ما درسوا، ويطلعون على حركاتهم في بناء قومياتهم، وينشرون ذلك في عامة الشعب ما استطاعوا.
ومن ناحية ثالثة تأسست الملكية الفردية ونمت وتقاربت الطبقات، ولم يعد للطبقة الأرستقراطية هذه المنزلة المحلقة في السماء، ولم تعد العلاقة علاقة عبيد بسادة، وضعف سلطان الحاكم على المحكومين، وسلطة الآباء على بيوتهم، وتطورت الحياة الاجتماعية تطورا كبيرا، نشأ عنها تطور الأدب.
كان الأدب أوتقراطيا، ثم اتجه باحتكاكه بالغرب إلى الديمقراطية، كان الأدب كالدرة الكريمة أو التحفة الغالية، يقصد بها صاحبها إلى قصور الأمراء، ثم تحول يقصد الشعب، كان الأدب لا يسمح للفرد بالتفكير الحر، ولا يقدر إلا الشخصية الأرستقراطية، ثم أخذ يمجد الحرية، ويمجد الفرد؛ ولو كان في كوخ، ويعنى بالموضوعات التي تمس الشعب ، وتجددت للشعوب آمال في استقلالها وفي تحقيق العدل من حكامها، فكان الأدب خير ما يصور ذلك.
وكان طبيعيا أن يكون في الأدب مخضرمون كما في الحياة الواقعية مخضرمون عاشوا في القديم والجديد معا، وتربوا في المدرسة القديمة ناشئين، ورأوا المدرسة الجديدة كهولا أو شيوخا، فكان أدبهم نتاج الحياتين، تتجلى هذه الخضرمة مثلا في الشعر عند البارودي؛ فقد تحرر من زخرف اللفظ، والتحسس على محسنات البديع، وبث في الشعر روحا، ولكنه نهج منهج أبي فراس والمتنبي والشريف الرضي، وقلدهم في فحولة اللفظ، وفي أغراض الشعر ومعانيه؛ وكذلك شوقي وحافظ - على سمو قدرهما في الشعر - كان قديمهما أكثر من جديدهما، وإن كان جديدهما أكثر من جديد البارودي في الأغراض والمعاني، وكذلك كان المنفلوطي في النثر مخضرما، وهو إلى الأسلوب القديم أقرب.
ثم تلا هذه الخضرمة التجديد في الأسلوب، وفي الموضوع؛ ولكن يعاب عليه في الأكثر أنه ليس تجديدا مبتكرا، بل هو تجديد تقليدي، غاية الأمر أنه بدل أن يقلد شعراء العرب الأقدمين، قلد شعراء الغرب المحدثين؛ حتى في العنوانات؛ كوادي الدموع، والشاطئ المجهول، ونحو ذلك، ولذلك لم تستسغه الأذن العربية، كما لم تستسغ الموسيقى الغربية الصرفة إلا بعد مران طويل، ولا يزال التجاذب بين القديم والحديث إلى اليوم.
وكما كانت الخضرمة في الشعراء، كانت الخضرمة في الموضوعات، ثم التجديد، فترى مثلا شعر المديح أتى به المخضرمون أمثال شوقي وحافظ، وكان يستساغ منهما، ثم مجه الذوق بالتقدم في فهم الديمقراطية وتذوقها، ولم يعد المديح - كما كان - غرضا كبيرا من أغراض الشعر، وصار إذا قيل اليوم فإنما يقال على سبيل الطرافة أو الملحة، ولم يعد يصح مطلقا أن يسمى شاعرا فحلا من كان أكبر نتاجه شعر المديح. وأهم من هذا كله أن الشاعر لم يعد هذا الذي يتصنع الشعر ويتكلفه في المناسبات والحفلات؛ إنما الشاعر من شعر قلبه، وغنى لنفسه أولا، وللناس ثانيا، ولم يكن قصده الكسب، وإنما قصده الاستجابة لعواطفه، والتعبير عنها في صدق وإخلاص.