في الغرب كان بدء النهضة والثورة على القديم ووضع أسس جديدة لحياة جديدة، وتحكيم العقل فيما يعرض من مشاكل وتحرير العواطف من كثير من القيود، ووضع كل قضية موضع البحث والتجربة، وفي الشرق كان الجمود، وظلم الحكام، مع الاستكانة من الشعب، وترف الأمراء وحواشيهم، مع فقر الشعب، قد كان الشرق والغرب يسيران متحاذيين، ولكن اختلف فيما بعد الاتجاه، فسار الغرب إلى الأمام، وسار الشرق إلى الوراء، وتنبه الغرب فطالب حكامه الظالمين بتحقيق العدل، واستنام الشرق على الظلم راميا عبئه على القدر.
وأصاب الأدب من ذلك ما أصاب سائر مناحي الحياة؛ فقد كان من أكبر أسباب النهضة الأدبية الأوربية التفاتهم إلى وجوب الاستمتاع بالحياة الدنيا ونعيمها ، بعد أن كان المثل الأعلى هو الزهد والانقطاع للحياة الآخرة؛ وعلى هذا الاتجاه سار الأدب يقوم الحياة الدنيا ونعيمها تقويما كبيرا في القصص وسائر أنواع الأدب؛ ثم من المظاهر الجديدة كانت عندهم في الأدب ثورتهم على الفوارق بين الطبقات، فبعد أن كانت الروايات إنما تتعرض لوصف الحياة الأرستقراطية، فإذا عرضت لحياة الطبقة الوسطى أو الدنيا؛ فلإضحاك الطبقة العليا، ثار الأدباء على هذه الأوضاع، وصار كوخ الفلاح موضوعا للأدب كبلاط الملك، واستمدت المآسي والملاهي موضوعاتها من الحياة المألوفة عند أوساط الناس وفقرائهم.
ومظهر آخر في الأدب الغربي حدث، وهو استنزال الأدب إلى عالم الواقع، فالقطعة الأدبية صارت تقوم بمحصولها الفكري، لا بجمالها الفني وحده، وعد من الأدب: الرسائل السياسية، والمقالات الاجتماعية.
وفي الشرق كان الأدب حائرا بين الزلفى إلى الأغنياء والكبراء في المديح، أو الترفع عن ذلك إلى الانصراف إلى الحياة الآخرة بإنتاج الأدب الديني في المدائح النبوية ونحوها، أما الأدب الدنيوي - يصور حياة الشعوب ويعرض للمسائل الاجتماعية والسياسية ويفتح آفاقا جديدة - فلا إلا في القليل النادر؛ ولذلك أنتجت النهضة الأوربية أدب شكسبير وراسين وجوته وأمثالهم، في حين أنتجت الحياة الشرقية أدبا يعنى بأنواع البديع كابن حجة الحموي، أو أدبا يعنى بمدح الأمراء كالأرتقيات لصفي الدين الحلي؛ فقد أنشأ 29 قصيدة، كل قصيدة 29 بيتا، وكل قصيدة لحرف من حروف الهجاء يبتدئ كل بيت به وينتهي به، وكلها في مدح الملك المنصور الأرتقي، أو أدبا يعنى بالناحية الدينية كالهمزية والبردة للبوصيري.
أما الأدب الذي يمثل الشعب في بؤسه، والحكام في ظلمهم، أو الذي ينفخ في الأمة روح الثورة على الظالمين، أو الأدب الذي يدعو إلى أن يتبوأ الشعب مكانته؛ فقلما نظفر به إذا استثنينا ابن خلدون؛ ومع هذا فابن خلدون أبدع في النظريات الاجتماعية ولم يستنزلها كثيرا للتطبيق على حياة زمنه وعصره الواقعية.
ومع هذا كله كانت مصر بعد سقوط بغداد في يد التتار أقوى الضعفاء، أو أصحى السكارى. •••
كان أول مدد لهذا الحوض الراكد هو اتصال الشرق بالغرب بحملة نابليون على مصر ، قد نكره هذه الحملة من الناحية السياسية؛ إذ كانت عدوانا على استقلالنا وانهزاما لقوتنا الحربية، ولكن الثقافة أسمى من الحرب، لا تعرف عداء ولا خصومة، وإن حدثت تحتقرها، وقد كانت هذه الحملة تحمل بإحدى يديها عدد القتال، وبالأخرى العلم والعرفان؛ فأما اليد الأولى فقابلت يد مراد عند الأهرام فقطعتها، وأما اليد الأخرى؛ يد جومار ومونج وأمثالهما؛ فصولحت، ولئن لم يطمئن المصريون إلى الفرنسيين الحربيين، وما زالوا في نزاع معهم حتى خرجوا؛ فقد اطمأنوا إلى الفرنسيين العلميين فبقوا - باسم المجمع العلمي الفرنسي - ولما بعث القائد البريطاني إنذاره الأخير إلى القائد الفرنسي في الإسكندرية كان من بين ما اشترط على الفرنسيين «تتعهد لجنة العلوم والفنون ألا تنقل معها في عودتها إلى فرنسا شيئا ما من الآثار العامة، ولا الكتب الخطية العربية، ولا المصورات الجغرافية، ولا الرسوم، ولا المذكرات، ولا المجموعات، وأن تترك كل هذا تحت تصرف القواد البريطانيين» وقد قبل القائد الفرنسي هذا وأمضاه، ولكن المجمع العلمي الفرنسي رفض، وأخيرا هدد بإلقائها في البحر؛ فتنازل البريطانيون عن طلبهم.