تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عكف هؤلاء الذين اتجهو هذا الاتجاه الاجتماعي الروحي على البحث في الدور الذي تقوم به اللغة في الأديان، وفي الشعر، وفي العلم، وما للغة من ناحية باطنية تخلقها عواطف الفرد والأمة، وناحية ظاهرية يتفاهمون بها في معاملتهم ومحادثاتهم، وأن هناك صراعا دائما بين الناحيتين، وهذا قادهم إلى البحث في لغة الأمة وأثرها في عواطفها وعقلياتها.

وعلى الجملة فقد كان من مباحثهم - أيضا - اللغة الشفوية في المحادثة، واللغة المكتوبة، والفرق بينهما من حيث التأثير النفسي، واللغة والبيئة الطبيعية والاجتماعية التي نشأت فيها، واللغة والدين، والناحية العملية والناحية الميتافيزيقية للغة، واللغة والشعور القومي، واللغة والشعر ... إلخ.

وإذ كان هذا البحث حديثا فقد وصلوا فيه إلى نظريات لا تزال مجالا للأخذ والرد ولم تستقر بعد. •••

لعل في هذا العرض السينمائي عبرة ، فلغتنا العربية العزيزة علينا، والتي تكوننا ونكونها، والتي يبلغ عدد المتكلمين بها نحو سبعين مليونا، تتطلب من أبنائها البررة مجهودا جبارا في مثل هذه النواحي التي ذكرت.

تتطلب معجما واسعا تستغل فيه كل الدراسات التي عملت في اللغات المختلفة، وخاصة اللغات السامية والفارسية، لمعرفة أصل الكلمة، ومم أخذت، وكيف تطورت على مر الزمان ، معجما لا يقف عند كلمات العرب الأقدمين، ولا كلمات واستعمالات العباسيين، بل نجتذبه حيث وقف على بعد ثمانية قرون، إلى حيث نحن، وحيث نحيا، وحيث نستعمل، وحيث نفكر.

وتتطلب اللغة العربية دراسة نفسية وفلسفية واجتماعية على النحو الذي ذكرت، وتتطلب من رجال التربية أن يقولوا بعد البحث والتجارب كيف نعلم لغتنا على خير وجه، وكيف نتغلب على صعوبتها.

إن اللغة العربية تتطلب منا ذلك، وليس إصلاح اللغة العربية من هذه الجهات ينتج تقويما للقلم واللسان فقط، بل هو - أيضا - إصلاح للأمة في تفكيرها، وفي خلقها، وفي عقليتها، وفي مشاعرها، إن تعليم عدد قليل من الأمة لغات أوربية يقرءون فيها، ويستنيرون بها؛ قليل الأثر في حياة الأمم، إنما الأثر الأكبر للغة القومية التي تكون فكر الشعب بأجمعه، وترفعه أو تضعه، وتحيي عقله وشعوره أو تميته، وليست الأمة تصلح بنقل بعض أفرادها إلى حيث النور، ولكن بنقل النور إلى حيث الأمة كلها؛ حتى يتبدد الظلام.

والله ولي التوفيق.

| مركز مصر الأدبي (4)

في الوقت الحاضر

في رأيي أن كل أدب كحوض الماء، إذا لم تمده من حين لآخر بماء جديد تعفن وأنتن، وكالأسرة الكبيرة إذا ظل أفرادها يتزاوجون فيما بينهم هزلوا وذبلوا وشاعت فيهم الأمراض، ما لم يتزاوجوا من غيرهم، وكعمر الفرد: صبا؛ فشباب؛ فكهولة؛ فشيخوخة، ولكنه يمثل الدور ثانية في بنيه، لا يكون ذلك إلا بالتزاوج.

هذا في نظري تاريخ كل أدب؛ شرقي أو غربي.

فإن نحن نظرنا إلى الأدب العربي وجدنا أن الأدب الجاهلي وامتداده في العصر الإسلامي بدأ يركد حتى امتزجت الأمة العربية بغيرها من الفرس والروم والهند وغيرهم، وامتزجت الثقافة العربية بالثقافة الفارسية وبالثقافة الهندية وبالثقافة اليونانية، فبدأ الأدب العربي حياة جديدة، ظهر أثرها في مثل الجاحظ وتآليفه.

وقد يبدو غريبا أن أقول: إن الأدب العربي قد ركد في العصر الإسلامي قبيل هذا الامتزاج مع ما عرف عنه من جزالة اللفظ، وجودة السبك، وفصاحة اللسان؛ ولكن مظهر الركود في نظري كان قلة المعاني الجديدة، وتكرار المعاني القديمة، واقتصار الأدب على الأقوال المأثورة في الموضوعات الموروثة؛ حتى طلع الجاحظ وأمثاله بموضوعات جديدة، ومعان جديدة، وأساليب جديدة، فكان هذا هو التجديد الذي أتى به الامتزاج الجديد، وكانت العودة إلى الشباب بعد الشيخوخة.

ثم صار هذا الجديد قديما، وركد ماء الحوض لما انقطع المدد، وأصبح الشاب هرما؛ ذلك أن الشرق بعد الحروب الصليبية أغلق على نفسه، وضعف اتصاله بالغرب، ولم يكد يعلم شيئا مما يجري في أوربا. نعم؛ كان هناك قناصل للدول، وتجار أجانب، ولكن هؤلاء كانوا يعيشون في شبه عزلة، ولا تشعر الشعوب الشرقية بهم وخاصة من الناحية الثقافية، ولما بدأ الغرب في القرن الخامس عشر والسادس عشر يضع أساس نهضته في العلوم والفنون والسياسة والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك؛ مما غير وجه حياته تغييرا تاما، لم يصل إلى الشرق شيء منها، ولم يشعر بها، واستمر في دائرته المغلقة، يقلد حياة الشرق الأولى من غير روح، ويعيش على الثقافة القديمة بعد أن صارت تماثيل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٠٦