وقد كانت الدراسة النفسية نافعة جدا في أمور التعليم، ولكنها تلقي ضوءا خفيفا على مشكلة المراهق في الهيئة الاجتماعية.
وقد وصف الكتاب الأقدمون فترة المراهقة بأن نسبة الوفيات تقل فيها، وأن الشواذ في النمو تقل عند البلوغ، وأن الأمراض المعدية نادرة، وأضافوا إلى ذلك وصفهم لهذه الفترة بأنها تتميز بالطيش وسوء الترتيب، وأوحت المظاهر الروائية للبلوغ بالقول: إن البلوغ ميلاد جديد تظهر فيه العلامات الإنسانية الكبرى، وأوحى عدم التناسب في نمو العظام والعضلات وغيرها من غدد وأعضاء بأن هناك عدم انسجام في الناحيتين العاطفية والعقلية وأن ذلك يحتوي على أخطار، واعتبر المراهق «عائدا على بدئه»
nes-atavistic [وفي البيولوجيا
ativiam
هي عود الخلف إلى ما كان عليه السلف من تركيب بنية] أو «نازعا به عرقه»، وأنه عرضة «للعاصفة والكبت» اللذين ينازعان موروثه من أجداده في التحكم والسيادة.
وقد نشر ستانلي هول هو وتلامذته كثيرا من المسائل حول المراهق وشئونه، كالخيال، وأحلام النهار، والتروض، وحب الحياة، والاتجاه الديني، وبعض الكفايات الأخرى، ودرست تراجم الرجال العظام والنساء، ولوحظت خصائص فترة الشباب عندهم، ومن هذه الدراسات وضع هول عشر خصائص للبلوغ؛ هي: (1)
الانشغال الداخلي والاستغراق في التفكير، وهو ما عبر عنه بالرقابة المزدوجة على الشعور. (2)
تولد الخيال وكثرة الرؤى والأحلام والأوهام. (3)
انتقاء النفس والشكوك والريب. (4)
المغالاة في الفردية. (5)
التقليد في أشد حالاته. (6)
تمثيل دور روائي، والتشبث بعادة ما. (7)
الحماقة، والتفاهات، والاستسلام للنزوات. (8)
وجدان كلامي جديد. (9)
الانهماك في الصداقة. (10)
تعطيل التوجه نحو الزمان والمكان، وتشكل فكري وعاطفي عظيم.
وبالإجمال يجب أن نعتبر فترة المراهقة مميزة بفك الروابط القائمة بين العوامل القوية للذات؛ جسميا ونفسيا، وهكذا نجدهم جعلوا مظاهر المراهقة شبيهة بالأعراض الهستيرية، وذهبوا إلى أن المتعصبين من المتدينين ليسوا إلا مراهقين؛ تضخمت عندهم المميزات والخصائص التي تكون طبيعية في غيرهم.
وقد اتجهت الدراسة الحديثة نحو المظهر الاجتماعي للمراهقة، وقد دلت الدراسات على أن في طور الطفولة وما بعده بقليل يحدث عدم الانسجام
malad Justment . وحين يكون المراهق شاذا غير طبيعي فمرد ذلك إلى الحالة الاجتماعية، ويقول و. توماس: إنه إذا تطورت بذور الاجتماع ببطء أكثر من الحيويات الفردية والابتكارات؛ فنتيجة ذلك مرحلة من الفوضى تظهر في الأفراد كما تظهر في المجتمع، وحين لا تظل العادات القديمة ملائمة، تتحطم وتنشأ عادات جديدة، ولكن لا بد قبلها من فترة يظهر فيها عدم الاستقرار، والشاب في القرن العشرين، في صراع دائم مع القيم الأخلاقية في البيت، والمدرسة، والكنيسة، والمجتمع، أضف إلى ذلك الفوضى في مسائل اللباس والعادات ونواحي النشاط التي ينتحلها الكبار؛ حتى إن الشباب لم يعودوا يعرفون لهم أهدافا واضحة من النضج؛ لينسجوا على منوالها، واليوم قد زادت العناية بالأطفال وصغار الطلاب في المدارس أكثر من قبل؛ بالاعتماد على المناهج العلمية المتبعة في التغذية والنوم والتمرين، أما المراهق فهو معرض للاعتماد المبكر على نفسه.
ومع ذلك فالعقبات التي قلنا: إنها مسببة عن خصائص إنسانية أساسية ليس لها وجود عند جماعة كأهالي ساموا، إن المدنية قد فرضت قيودا من جهة، وزادت في التنبه من جهة أخرى، وليس هناك من دليل على أن المكافحات والعقبات أمام المراهق ضربة لازب، إن سلوك المراهقين في المجتمع الحديث وأعراض القلق وعدم الانسجام ليست براهين على أنها خصائص عادية في جيل من ذوي السن الواحدة.
وكثيرا ما أولت الشعوب الساذجة لمظاهر البلوغ في البنت والولد اهتماما واضحا بمزاولتها بعض أنواع البتر العضوي (الختان ...) وفرض الصيام وإقامة الأعياد؛ وذلك ليدلوا على أن هذه الفترة مرحلة مهمة من مراحل الحياة، وبعض هذه الطقوس موجود في أفريقيا وآسيا وأندونسيا وأستراليا وأمريكا الشمالية والجنوبية؛ وهناك إلى جانب هؤلاء أقوام بدائية أخرى لا تعير البلوغ اهتماما، ويعلل ذلك بعض الدارسين بأن الهيئة الاجتماعية الساذجة تشغل المراهق بمشاريع وأهداف مختلفة، فلا تترك له فرصة للتعبير عن نفسه، ولكن العالم الأنتروبولوجي يشك في صحة هذه الدعوى، والذي يتغلغل في بيئة ساذجة ويعرف لغتها ويتغلغل في حياة الناس فيها وشعورهم؛ يجد تلك البيئة تقدر تماما المراهقة وتهتم بالتكون الفردي للمراهق، كما تحسب حساب ميله إلى الاستقلال والحرية.