تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما القيمة الاجتماعية الجديدة فتظهر في نواح مختلفة في تغيير المسكن، وفي الدخول في هيئات الشباب، وفي اختبارات المهارة الشخصية ومدى الاحتمال، والنظر باهتمام إلى أحلام المراهق ورؤاه، والانفصال من العائلة، والانعزال في غابة أو صحراء، والتحرر من قيود الطفولة، واستعمال الزينة.

وقد دلت الدراسات العصبية الحديثة على أن النضج عملية دقيقة تمتد إلى فترة طويلة بعد استكمال الحجم والوزن، وقد فهم رجال القانون هذه الحقيقة فترددوا في إعطاء الشبان أمر إدارة الأمور الكبيرة حتى يبلغوا سن الحادية والعشرين، ومع ذلك فإننا نرى بعض التشريع يحمل ابن الرابعة عشرة أو السادسة عشرة، يحمله مسئولية في الأمور الجنائية، ولا تزال البراهين القاطعة غير موجودة، ولكن تتفق كل الدراسات على أن كمال النظام العصبي لا يتم حتى منتصف العقد الثالث (سن 25).

وليس ينتظر ما يسمى في العادة حكمة وتعقلا من المراهق الطبيعي في العقد الثاني (12-19).

وقد مدت الشعوب المتمدنة في أوربة وأمريكا فترة التعليم الإجباري إلى 16-18، وأخذت الدولة على عاتقها أمر الإرشاد الدراسي والمحصني للمراهقين، وقد أخذت الشاب يستمتع بالتحسن في مناهج الاجتماع، ويهتم بالسلم والحرب والمساواة الاقتصادية والديموقراطية.

نعم؛ إن الموقف الاجتماعي معقد، ولكن الشباب يظل هو الشباب، فترة من الحياة يكون فيها النشاط البدني والعقلي على أشده، ويصبح دور الكبير متمثلا أمام عيني الشاب، ولكنه لا يستطيع الاشتراك التام في النواحي الاجتماعية؛ لعدم نضجه في نواح بيولوجية، وما دامت الحال الاجتماعية في أيامنا مرضية نوعا؛ فسيظل الشباب في صراع مع المعايير الاجتماعية السائدة.

| الاتجاهات الحديثة لدراسة اللغة (2)

الاتجاه النفسي والمنطقي والفلسفي

وتخصصت طائفة أخرى من علماء الغرب لدراسة اللغة دراسة فلسفية من حيث علاقتها بالنفس، ومن حيث علاقتها بالمنطق وغير ذلك؛ فقد رأوا - مثلا - أن دراسة الكلمة ليست كدراسة أي شيء مادي كالعصا والكرسي والقلم والدواة، فهذه الأشياء ونحوها لا يحتاج في دراستها إلا لتحليل الشيء المادي نفسه، ومعرفة عناصره، وما يجري على الشيء الواحد يجري على أمثاله، أما الكلمة أو اللفظة فلها روح، لها معنى، فإذا قلت: محمد يقرأ، فلا بد لفهمها من ثلاثة أشياء: عقل القائل، وعقل السامع، والفكرة التي انتقلت من عقل القائل إلى السامع، وكذلك لا بد من لفظة هي التي نطق بها القائل وسمعها السامع، ومن ناحية ثالثة لا بد من الحقائق نفسها وهي حقيقة محمد وحقيقة القراءة والعلاقة بين محمد والقراءة، وبالإجمال لا بد من ثلاثة أنواع: الفكرة، واللفظة، والشيء ذاته المتحدث عنه، وعلى هذه الفكرة الأساسية البسيطة قاموا بأبحاث قيمة عميقة - هل كانت اللغة حادثا فجائيا عارضا في تاريخ الإنسان، أو نشأت عن قصد وتعمد؟ هل يمكن التفكير من غير ألفاظ؟ هل يمكن أن تكون لغة من غير ألفاظ؟ ما العلاقة بين اللفظ والمعنى؟ ما معنى المعنى؟ ما الذي يجعل لغة أرقى من لغة؟

إن اللغات القديمة كاللاتينية واليونانية تركيبية أكثر منها تحليلية، واللغات الحديثة تحليلية أكثر منها تركيبية، فهل الانتقال من التركيبية إلى التحليلية رقي أو تدهور؟ هل يمكن وضع لغة عالمية أولا؟ وإذا أمكن فهل هو في صالح الجنس البشري أولا؟ وهكذا من أبحاث لا عداد لها، وبعضها بل أكثرها لم يجد الإجابة الحاسمة عنه، وإني أدخل في باب عريض لو عرضت لحضراتكم ملخصا للنظريات التي أثيرت حول كل موضوع.

واتجهت طائفة أخرى إلى العلاقة بين اللغة والمنطق؛ فاللغة ليست وظيفتها - فقط - نقل المعنى من ذهن إلى ذهن، ولكن لها وظيفتان أساسيتان: فهي إما إخبارية تنقل المعنى من ذهن إلى ذهن؛ ككلامنا العادي، وكصحيفة الحوادث الداخلية والخارجية في الجرائد، وكتب العلوم؛ في الرياضة والطبيعة والفلك وما إلى ذلك، وإما «ديناميكية» قوة محركة للعواطف، والناحية الأولى فعلية، والناحية الثانية شعورية للإخبار عن العواطف أو تهييجها، فإذا قلت: إن الإنسان حيوان ناطق، فهو من الضرب الأول، وإذا قلت: إنه حشرة، أو قلت: إن النساء ملائكة أو شياطين، فهو من الضرب الثاني.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٠٣