ففي هذا الحديث صفات أهل الاستقامه الذين جمعوا بين الاستقامة على أمر الله في أنفسهم، وجاهدوا في سبيل الله تعالى لإقامة الحق في واقع الناس. ولما كان القيام بأمر الله تعالى في النفس وفي واقع الناس أمراً شديداً تحتاج الإستقامة عليه إلى صبر وتحمل ومجاهدة للنفس والأعداء، جاءت الإشارة في الحديث إلى أن من صفات هذه الطائفة أنها لا تلتفت إلى الأعداء المخالفين وما يضعونه من عراقيل، وضغوط شديدة على أهل الحق، كما أنها لا تلتفت إلى تخذيل المخذلين من ضعاف الإيمان، ولا يضرهم شيء من ذلك، بل يستعينون بالله تعالى، ويمضون في طريقهم لا يضرهم المخالف ولا المخذل. وهؤلاء هم الموعودون بنصر الله تعالى وبالتمكين لهم في الأرض، وبرضوانه وجنته في الآخرة.
والحاصل: أن أهل هذه الطائفة هم أهل الاستقامة الحقة ولا يخلو منهم زمان، وهم موجودون في هذه الأمة والحمد لله، وعلى المسلم الصادق اللحوق بهم ومجاهدة النفس بالتحلي بصفاتهم، والالتحام معهم لإقامة دين الله عز وجل وحكمه في الأرض. ومهما تكالب عليهم الأعداء المخالفون لهم، ومهما كثر من حولهم المخذلون، ومهما اشتدت عليهم الخطوب والضغوط فهم صامدون، ممتثلون لأمر الله تعالى في
أنفسهم، قابضون على الجمر، ساعون لإقامة شرع الله عز وجل في الأرض، لا يخالجهم شك ولا ريب في وعد الله لهم بالنصر والتمكين، لا يستعجلون، ولا يصيبهم إحباط ولا يأس ولا تغيير ولا تبديل حينما يتأخر نصر الله تعالى عليهم، بل يراجعون أنفسهم وطريقهم، فلعل التأخير كان لخلل في النفوس أو المنهج، فإذا اطمئنوا إلى سلامة المنهج فإنهم يوقنون بأن الشدة إن هي إلا سنة الله تعالى لعباده المؤمنين في التمحيص والتمييز الذي يعقبه النصر والتمكين.