يجد هذا الثقل في أعبائه الدعوية خارج البيت على كثرتها وشدتها، ثم هو يجد الثقل عندما يطلب منه أحد والديه أوكلاهما منه خدمة؟ مع أن خدمة الوالدين وطاعتهم واجبة، والدعوة قد تكون في حقه فرض كفاية. والجواب والله أعلم وجود علة خفية تشوب نيته في دعوته وبذله فيها، وإلا لو خلصت من الشوائب، وكان همه إرضاء الله عز وجل في أعماله كلها، لوجد نشاطاً في خدمة والديه، لأن الإحسان للوالدين من أحب الأعمال إلى الله عز وجل وأرضاها له. ويصف ابن القيم رحمه الله تعالى علامة هذا فى النفس فيقول: (وعلامه هذا أنه إذا عرض عليها طاعه دون
ذلك ، وأيسر منه ، وأتم مصلحة : لم يؤثرها إيثارها لما اعتادته وألفته ، كما حكى عن بعض الصالحين من الصوفية قال : حججت كذا وكذا حجة على التجريد ، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوباً بحظي ، وذلك : أن والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماء ، فثقل ذلك على نفسي ، فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كان بحظ نفسي وإرادتها ، إذ لو كانت فانية(1) لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع " أهـ.(2)
وما قيل سابقاً في التقصير في حق الوالدين يقال : أيضاً في إهمال حقوق الأقارب وصلة الأرحام ، حيث ضعفت كثيراً في هذه الأزمنة . وقد يكون كثير من الأقارب في مدينة واحدة ، ثم هم لا يتزاورون ولا يتفقد بعضهم بعضاً ، بل إن الأمرقد يصل ببعض الأقارب إلى الهجران ، وقد
مر بنا الوعيد الشديد لمن هجر أخاه المسلم فوق ثلاث لأجل الدنيا وحظ النفس، وهو بين الأرحام أشد وأغلظ.
(1) أي فانية في مراد الله عز وجل.
(2) مدارج السالكين 2/ 99 وقد سبق هذا النقل، وكررته هنا للمناسبه.