ومن التحايلات المشهورة في أكل الربا ما يسمى "بيع العينة" وهي التي ورد ذكرها في قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) (1) .
والعينة: أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه منه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر يدفعه نقداً.
إذن فالعينة في حقيقتها من ربا النسيئة، ولكن صاحبها تحايل في ذلك بإدخال سلعة من ثوب أو طعام أو نحوهما ليضفي الشرعية على فعله وأنه لم يرتكب محظوراً، والله عز وجل لا تخفى عليه خافية، ويعلم ما في القلوب، ولا تنطلي عليه الحيل، وإثم المتحايل على الحرام بحيلة لاستحلاله أعظم من الوقوع في الحرام نفسه مع اعتقاد تحريمه.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "... فليصنع أرباب الحيل
ما شاءوا، وليسلكوا أية طريق سلكوا؛ فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة، فليدخلوا محفل الربا أو يخرجوه فليس هو المقصود، والمقصود معلوم، والله لا يخاع ولا تروج عليه الحيل ولا
تلبس عليه الأمور" (2) .
ويتحدث في موطن آخر عن بني إسرائيل لما اعتدوا في السبت بحيلة والفرق بين ذلك وبين أكلهم الربا فيقول: "ولم يعاقب أولئك- أي أكلة الربا- بالمسخ كما عوقب به من استحل الحرام بالحيلة؛ لأن هؤلاء لما كانوا أعظم جرماً كانت عقوبتهم أعظم، فإنهم بمنزلة المنافقين يفعلون ما يفعلون، ولا يعترفون بالذنب، بل قد فسدت عقيدتهم وأعمالهم، بخلاف من أكل الربا وأموال الناس بالباطل والصيد المحرم عالماً بتحريمه.
(1) أخرجه أبو داود في سننه كتاب البيوع باب (56) في النهي عن العينة (3462) واللفظ له ورواه أحمد بألفاظ مقاربة 2/ 28، 42، وصححه الا"لباني بمجموع طرقه. انظر (السلسلة الصحيحة( ا 1) 1/ 15).
(2) أعلام الموقعين 3/ 405.