كما قلدوهم في الاعتناء بالأطعمة وتكثيرها وتنويعها وتعديد أشكالها وألوانها، فجعلوها غاية في ذاتها، وهي في الأصل وسيلة للبقاء والعيش ليس غير، وأصبح الأكل والشرب "على الطريقة الغربية" مثار فخر عند كثير من أبناء هذه الأمة، فغزت الأكلات الغربية من أمريكية وفرنسية وبريطانية وألمانية وإيطالية أسواق المسلمين و "فنادقهم" وبيوتهم، وإن شئت فألق نظرة تأمل على أسماء تلك الأطعمة المستوردة تر عجباً"(1) .
ومما يلفت الانتباه في هذه السنوات الأخيرة كثرة محلات الأكل من
مطاعم ومطابخ ومحلات الوجبات الخفيفة، بعضها أجنبي والآخر محلي، وكلها على كثرتها تعمل، والناس عليها أفواج إثر أفواج، وهذا يدل على أن كثيراً من الأسر أصبح يعتمد في أكله على هذه المحلات، وعطل بذلك دور الزوجة والبنت والأخت في بيوتهن. وهذا بلا شك له مردود سيء على الأسرة والمجتمع. وسببه ذلك الترف الذي أصاب كثيراً من الناس وذلك الاسترخاء والكسل. وسبب آخر هو عمل المرأة خارج منزلها، وانشغالها عن مهمات البيت، وتوفير السكن الصالح للزوج والأولاد، وهذا ما سيكون الحديث عنه في الفقرات القادمة إن شاء الله تعالى.
والحاصل أن الترف والإسراف والتوسع في المباحات هو من صفات أهل الدنيا الذين لا غاية لهم إلا المتعة، وإشباع الشهوات. أما المسلم الذي يدرك غايته ونهايته، فهو يعد ويمهد لنفسه ليتهنى ويتمتع المتاع الحقيقي السرمدي في جنات النعيم. وأنصح بذلك نفسي وإخواني الدعاة بصفة خاصة، والذين هم قدوات الناس، وهم الذين يحذرون الناس من فتنة الدنيا ومتاعها الزائل. فهل يليق بداعية هذه مهمته أن يرى الناس فيه خلاف ما يدعو إليه؟! قال الله تعالى عن النبي الصالح شعيب عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه..(( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ )) [هود:88]
(1) نفس المصدر (140، 144) باختصار.