وقد بلغ الأمر في بعض بلدان المسلمين أن تفككت عرى الأسرة فيها، وانشغل الإبن عن أمه وأبيه، والأخ عن أخيه وأخته، فضلاً عن عمه وعمته وخاله وخالته؛ فالكل مشغول. وساعد في ذلك توسع المدن واللهث وراء الدنيا، وانهماك الناس في الأعمال اليومية، ومن أسباب ذلك تقليد الغرب الكافر في أنماط حياته.
يقول الأستاذ الشبانة وفقه الله تعالى: "لقد تفككت عرى الأسرة المسلمة في معظم بلاد المسلمين نتيجة للسقوط في حمأة التقليد للغرب الكافر، والانسياق الأعمى وراء كل نحلة ترد منه أو يسبق إليها، ثم نلحق به في تطبيقها، ولقد سبقت الأسرة الغربية إلى التفكك، بل إلى الانهيار الكامل والانعدام التام، فلم تعد هناك أسرة بالمعنى المفهوم بقدر ما بقي نوع من الارتباط المعرض للانفصام في أية لحظة بين رجل وامرأة لا يلتقيان في مقر إقامتهما إلا ساعة أو بعض ساعة من ليل أو نهار، وقد لا يلتقيان أبداً أوقاتاً طويلة أو قصيرة، فلكل منهما ما يغنيه عن صاحبه.
ولقد كثرت حالات الطلاق كثرة تلفت نظر اللبيب، بل لقد بدأ الآلاف من النساء والرجال يعزفون عن الزواج أصلاً لاختلال نظرتهم إلى المقاصد المطلوبة من ورائه؛ حيث قصروها على اللذة الحسية فحسب، وحينئذ وجد الواحد والواحدة منهم أن إنفاق العمر في ارتباط ملزم من أجل هذا المتاع الحسي أمر غير صحيح ما دام أنه سيجد في كل لحظة
حضناً جديداً، وستجد هي كذلك، فلم الارتباط بواحد أو واحدة؟!"(1).
ويقول في موطن آخر:"... ومن أعظم قيمنا الإسلامية التواصل الأسري الذي بدأ يحل محله التفكك رويداً رويداً، ومع التفكك الأسري بدأ تفكك المجتمع وتحلله إلى وحدات صغيره وأجزاء متناثره هي المساكن. لقد كان مجتمعنا مترابطاً متقارباً، فأصبح مجتمع مدننا الكبرى مجتمعاً متباعداً متفككاً مقطع الأوصال... " (2) .
(1) المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية ص 163، 164.
(2) المصدر نفسه ص 149.