أن يحرم سكراً لمفسدة فيه معلومة. ويبيح سكراً مفسدته أضعاف أضعاف مفسدة الشراب؟ حاشا أحكم الحاكمين.
فإن نازعوا في سكر السماع، وتأثيره في العقول والأرواح: خرجوا
عن الذوق والحس، وظهرت مكابرة القوم، فكيف يحمي الطبيب المريض عما يشوش عليه صحته، ويبيح له ما فيه أعظم السقم؟ والمنصف يعلم أنه لا نسبة بين سقيم الأرواح بسكر الشراب، وسقمها بسكر السماع. وكلامنا مع واجد لا فاقد، فهو المقصود بالخطاب...
... والذي يفصل النزاع في حكم هذه المسألة: ثلاث قواعد. من
أهم قواعد الإيمان والسلوك. فمن لم يبن عليها فبناؤه على شفا جرف هار.
القاعدة ا لأولى:
أن الذوق والحال والوجد: هل هو حاكم أو محكوم عليه، فيحكم عليه بحاكم آخر، ويتحاكم إليه؟
فهذا منشأ ضلال من ضل من المفسدين لطريق القوم الصحيحة. حيث جعلوه حاكماً فتحاكمو إليه فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد، وجعلوه محكاً للحق والباطل. فنبذوا لذلك موجب العلم والنصوص، وحكموا فيها الأذواق والأحوال والمواجيد. فعظم الأمر، وتفاقم الفساد والشر، وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم...
القاعدة الثانية:
إنه إذا وقع النزاع في حكم فعل من الأفعال، أوحال من الأحوال، أو ذوق من الأذواق. هل هو صحيح أو فاسد؟ وحق أو باطل؟ وجب الرجوع فيه إلى الحجة المقبولة عند الله وعند عباده المؤمنين. وهي وحيه الذي تتلقى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه، وتعرض عليه، وتوزن به، فما زكاه منها وقبله ورجحه وصححه فهو المقبول، وما أبطله ورده فهو الباطل المردود، ومن لم تبني على هذا الأصل علمه وسلوكه وعمله فليس على شيء من الدين، وإن وإن. وإنما معه خدع وغرور(( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) [النور:39]
القاعدة الثالثة :