ثم ذكر من السماع الباطل المحرم: سماع الغنا، وشرع يرد على شبه المبيحين له في كلام طويل منه قوله: "... وأما قولكم "لم يقم دليل على تحريم السماع " فيقال لك: أي السماعات تعني؟ وأي المسموعات تريد؟ فالسماعات، والمسموعات فيها المحرم، والمكروه، والمباح، والواجب، والمستحب؟ فعين نوعاً يقع الكلام فيه نفياً وإثباتاً. فإن قلت: سماع القصائد، قيل لك: أي القصائد تعني؟ ما مدح به الله ورسوله ودينه وكتابه، وهجى به أعداؤه؛ فهذه لم يزل المسلمون يروونها ويسمعونها ويتدارسونها، وهي التي سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وأثاب عليها، وحرض حساناً عليها، وهي التي غرت أصحاب السماع الشيطاني. فقالوا: تلك قصائد، وسماعنا قصائد. فنعم إذن. والسنة كلام، والبدعة كلام، والتسبيح كلام، والغيبة كلام، والدعاء كلام، والقذف كلام، ولكن هل سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه سماعكم هذا الشيطاني المشتمل على أكثر من مفسدة مذكورة في غير هذا الموضع(1) . وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعضها؟
ونظير هذا : ما غرهم من استحسانه - صلى الله عليه وسلم - الصوت الحسن بالقرآن ،
وآدنه له وإذنه فيه ومحبة الله له.
فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النسوان والمردان وغيرهم، بالغناء المقرون بالمعازف والشاهد، وذكر القد والنهد والخصر، ووصف العيون وفعلها، والشعر الأسود، ومحاسن الشباب، وتوريد الخدود، وذكر الوصل والصد، والتجني والهجران، والعتاب والاستعطاف، والاشتياف، والقلق والفراق، وما جرى هذا المجرى مما هو أفسد للقلب من شرب الخمر، بما لا نسبة بينهما. وأي نسبة لمفسدة سكر يوم ونحوه إلى سكرة العشق التي لا يستفيق الدهر صاحبها إلا في عسكر الهالكين، سليباً حريباً، أسيراً قتيلاً؟
وهل تقاس سكرة الشراب بسكرة الأرواح بالسماع؟ وهل يظن بحكيم
(1) فصل ابن القيم رحمه الله ذلك في كتابه إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان.