فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر وأشرق فيه نور العظمة فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حشي به، وخمدت الجوارح، وتوقر القلب، وأطمأن إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه فصار مخبتاً له.
وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عن تكلف إسكان الجوارح تصنعاً ومراءاة، ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات، فهو يتخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة" (1).
8- ضعف محبة الله عز وجل والحب فيه:
عن أبي أمامة ? عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان)) (2) .
وما أقل أهل هذه البضاعة اليوم، حيث صار حب أكثر الناس وبغضهم قائماً على الدنيا ومصالحها، وأصبحنا نجد من يحب لأجلها، ويعادي لأجلها، ويعطي ويمنع لأجلها، وهذا خلل عظيم في محبة الله عز وجل التي هي أصل العبادة ولبها. وقد سرى هذا الداء حتى وصل إلى بعض المنتسبين للدعوة والذين جعلوا حبهم، وبغضهم طائفياً حزبياً، بحيث يحبون من كان معهم في طائفتهم، وينقص هذا الحب أو ينعدم لمن ليس منهم. وقد أجاد الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وأفاد حين قال: "فالحب في الله هو من كمال الإيمان. والحب مع الله هو عين الشرك. والفرق بينهما أن المحب في الحب تابع لمحبة الله، فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة أن يحب ما يحبه الله، فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه، كما يحب رسله وأنبياءه وملائكته وأولياءه لكونه تعالى يحبهم، ويبغض من يبغضهم لكونه تعالى يبغضهم.
(1) الروح لابن القيم ص 493، 494.
(2) أخرجه أبو داود (4681)، وصححه الا"لباني في السلسلة الصحيحة (0 38).