تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يفهم من هذا الكلام الامتناع عما أحل الله من الطيبات أو الامتناع عن التجارة،وطلب الرزق، بل كل ذلك محمود ما دامت التجارة لا تطغى على الدعوة، وما دام الداعية يستفيد من ذلك كله في دعوته، والتقديم لآخرته . أما أن تطغى التجارة، والدنيا بشكل عام على الدعوة،

والاهتمامات العالية، ويبدأ الداعية يعيش حياة التجار في ترف، وتنعم ورفاه، فهذا هو المذموم، وهذا هو الذي بدأ ينتشر في حياتنا اليوم، وهنا بداية الانزلاق، وبالذات إذا كان الداعي رأساً وموجهاً في حقل الدعوة إلى الله عز وجل.

فلنتصور داعية وموجهاً يقود دعوة، ويعتبر موجهاً لها، ثم هو في

نفس الوقت نراه من تجار الدنيا، يخالط أهلها، ويشغل جسمه في النهار، وفكره في الليل بهذه الدنيا ومتاعها الزائل؛ إنه لا يمكن تصور ذلك أبداً، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.

وقل مثل ذلك، في الداعية الموظف الذي أخذت عليه وظيفته كل

وقته؛ عملاً رسمياً في نصف النهار الأول، ثم إضافياً في آخره، فأين ومتى وقت الدعوة والعمل في سبيل الله عز وجل؟ اللهم إلا ما تبقى من الوقت في الليل، حيث يأتي وهو كال الذهن، متعب الجسد، ويعزي نفسه بذلك، ثم يدور الوقت هكذا، وينصرم العمر القصير. والهم الأكبر هو متاع الدنيا وزخرفها الفاني. والله المستعان.

وقد يغالط بعض الدعاة نفسه، ويلبس على غيره في أنه يريد من التوسع في الدنيا نفع الدعوة، والبذل في سبيل الله عز وجل، والله أعلم بالسرائر، فكم رأينا من هؤلاء من توغلوا في الدنيا، فأخذتهم بأمواجها، وركنوا إليها ووضع الشيطان لهم في كل واد من أوديتها شغلاً وهماً، فتشعب الفكر والذهن فيها، وتولد من المال المكتسب استثمارات جديدة، وتوسع صاحبنا في المباحات، والإسراف في المآكل والمشارب والمراكب

فاستقم كما أمرت · الصفحة ٢٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فاستقم كما أمرتص ٢٥٦