واني في هذه العجالة لأخاطب وأحذر نفسي وإخواني الدعاة من هذا الخطر الذي بدأ يسري في حياتنا، وبأشكال كثيرة وفي أودية متشعبة، قد لا نشعر به، وقد نشعر به، ولكنه من الثقل والتشابك بحيث يصعب التغلب عليه والتخلص منه. وعلامة ذلك أنه لو وازن أحدنا بين هم الدنيا والحيز الذي تشغله من قلبه وتفكيره، وبين هم الآخرة، وهم هذا الدين لوجد أن البون شاسع والفرق كبير، ولوجد أن الدعوة وأمر هذا الدين طهر على اللسان والأعمال الظاهرة، أما القلوب؛ فلم يشغل منها إلا القليل، وأما الهم الأكبر فهو لهذه الدنيا ومتاعها الزائل؛ كل حسب اهتمامه وواديه الذي ذهب فيه من وديانها وشعابها التي ذكر الله عزوجل أهمها في سورة آل عمران بقوله: (( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ))
[آل عمران:14] إن مرض إيثار العاجلة على الآخرة يكاد أن يطم على حياة كثير منا؛ حيث نجد أن الكثرة الكاثرة في حقل الدعوة إلى الله عز وجل تحصر انتماءها إلى الدعوة في إلقاء خطبة، أو موعظة، أو حضور جلسة، أو درس أسبوعي أو شهري ثم ينصرف من ذلك بقلبه وقالبه إلى أعمال الدنيا، والتمتع بملذاتها، ومساكنها، ومراكبها، ويتوسع في ذلك بشكل يوحي إلى المتأمل فيمن هذه حاله أنه سيخلد في هذه الدنيا، وأن ليس له ما يشغل ذهنه إلا متاعها الزائل.
أما أن نسهم في دفع الغالي والنفيس في سبيل الدعوة إلى الله عز
وجل ومرضاته، والجهاد في سبيله، فأحسب أن هذا الصنف من الدعاة قليل في هذا العصر، وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة)) (1).
(1) البخاري في الرقائق (6498)، ومسلم في فضائل الصحابة 2547.