تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كلام بديع في تصويره لخطر هذه الآفات، لامزيد عليه. قال رحمه الله تعالى: " واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر، فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر، فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة. فردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها. ومعلوم أنه لم يعط الإنسان إماتة الخواطر، ولا القوة على قطعها؟ فإنها تهجم عليه هجوم النفس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له، وعلى رفع أقبحها وكراهته له ونفرته منه، كما قال الصحابة: "يارسول الله إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال: (( أو قد وجدتموه؟ قالو: نعم قال: ذاك صريح الإيمان))(1) وفي لفظ: (( الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)) (1) وفيه قولان أحدهما: أن رده وكراهته صريح الإيمان. والثاني: أن وجوده وإلقاء الشيطان له في النفس صريح الإيمان، فإنه إنما ألقاه في النفس طلباً لمعارضة الإيمان وإزالته به. وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحا الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه، فإن وضع فيها حب طحنته، وإن وضع فيها تراب أو حصا طحنته. فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحا. ولا تبقى تلك الرحا معطلة قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حباً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصى وتبناً، ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه.

(1) ... أبو داود في الأدب باب في رب الوسوسة، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود

(4263) (4264)، كما رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان باب بيان الوسوسة

(132).

فاستقم كما أمرت · الصفحة ٢٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فاستقم كما أمرتص ٢٤٤