وهو أن يمازج العبودية حكم من أحكام عوائد النفس تكون منفذة لها، معينة عليها، وصاحبها يعتقدها قربة وطاعة، كمن اعتاد الصوم- مثلا- وتمرن عليه. فألفته النفس، وصار لها عادة تتقاضاها أشد اقتضاء، فيظن أن هذا التقاضي محض العبودية، وإنما هو تقاضي العادة.
وعلامه هذا: أنه إذا عرض عليها طاعة دون ذلك، وأيسر منه، وأزم مصلحة: لم تؤثرها إيثارها لما اعتادته وألفته، كما حكى عن بعض الصالحين من الصوفية قال: حججت كذا وكذا حجة على التجريد، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوباً بحظي ، وذلك: أن والدتي سألتني أن أستقى لها جرعة ماء، فثقل ذلك على نفسي، فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجَّات كان بحظ نفسي وإرادتها، إذ لو كانت نفسي فانية(1) لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع " (2) . أهـ.
وهذه مسألة مهمة يجب أن يتفطن لها ويخاصة من يجهدون أنفسهم
في الدعوة إلى الله عز وجل، والجهاد في سبيله، وذلك حتى لا تتحول هذه الجهود إلى عادة، ويغيب فيها أو يضعف دافع الإخلاص لله تعالى، وابتغاء مرضاته، وحتى يتخلص من دافع حظوظ النفس، وما ألفته واعتادت عليه. وهذا يحتاج إلى محاسبة ويقظة مع النفس حتى تستشعر العبودية لله تعالى في كل ما تأتي وتذر من الأقوال والأعمال الموافقة للشرع. وعند ذلك لا يقع المسلم فيما أشار إليه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كونه يقوم بطاعة عظيمة شاقة بيسر وسهولة ثم يعجز عن الإتيان بطاعة أيسر منها. ومن أقرب الأمثلة في ذلك ما نراه في بعضنا اليوم من النشاط والتحمل في الدعوة إلى الله عز وجل بالمجئ والذهاب والحل والترحال، بينما يحصل العكس من ذلك إذا كان الأمر يتعلق بخدمة الوالدين وقضاء حوائجهما فليتفطن لذلك.
(1) يعني فانية في مراد الله وعبادته.
(2) مدراج السا لكين 2/ 98، 99.