إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد وغيره.: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعد. وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله، فهذا أيضا حسن. ثم نشروه بنية صالحة. وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا، وليثنى عليهم فلهم مانووا: قال عليه الصلاة والسلام: (( من غزى ينوي عقالاً فله ما نوى)) (1) . وترى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى.
وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب، فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم وركبوا الكبائر والفواحش فتئا لهم، فما هؤلاء بعلماء!
وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص وروى الشاذ من الأخبار... "(2) .
وعن عبد الله بن المبارك قال: قيل لحمدون بن أحمد: "مابال كلام السلف أنفع من كلامنا قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق "(3).
وبقي أن أشير بهذه المناسبة إلى آفة دقيقة هي من الآفات التي قد تقدح في النيات، وهي التي أشار إليها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في شرحه لمنزلة التهذيب عند قول الهروي: "وهي على ثلاث درجات الأولى: تهذيب الخدمة أن لا يخالجها جهالة ولا يشوبها عادة ولا يقف عندها همة ".
قال ابن القيم في شرحه لهذا الكلام: "النوع الثاني: شوب العادة.
(1) رواه أحمد في مسنده 5/ 315، والنسائي 6/ 24، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم (2941) (2942).
(2) سير أعلام النبلاء7/ 152، 153.
(3) صفة الصفوة 4/ 122.