في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح، فمن أرتزق ليتعلم أو ليعلم، أو ليجاهد، فحسن. كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( مثل الذين يغزون من أمتي . ويأخذون أجورهم. مثل أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرها )) (1) شبههم بمن يفعل الفعل لرغبة فيه كرغبة أم موسى في الإرضاع، بخلاف الظئر المستأجر على الرضاع، إذا كانت أجنبية.
وأما من أشتغل بصورة العمل الصالح لأن يرتزق فهذا من أعمال الدنيا.
ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدينا وسيلة، ومن تكون الدينا مقصوده والدين وسيلة. والأشبه أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق.
كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها" (2) .
والشاهد من هذه الفتوى قوله في آخر الفتوى "ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده والدين وسيلة... ".
وفي ضوء هذه القاعدة الجليلة ينبغي أن يستعرض الواحد منا أعماله الأخروية، وينظر إلى مقصده، ودافعه في أدائه لأعمال البر من إمامة وأذان، وحج ودعوة، وطلب علم، وجهاد... إلخ. هل يريد من ذلك المال والدنيا فحسب أم أنه يريد الآخرة والدنيا تبع؟ فإن كانت نيته للدنيا، فليبادر إلى إصلاح مقصوده حتى لا يضيع نصيبه منها في الآخرة، وإن وجد الآخرى فليحمد الله تعالى على ذلك. ولا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه، ويزكي نيته وقصده، فإن مثل هذه المسائل تكون من الخفاء بحيث قد لا يشعر بها العبد إلا بعد التقصي والتدقيق؛ فهؤلاء هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ قال الله عز وجل فيهم يوم أحد: (( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)) [آل عمران: 152]، فكيف بمن بعدهم؟
(1) عزاه الألباني إلى أبي داود في مراسيله وضعفه في صحيح الجامع (5241).
(2) مجموع الفتاوى (26/ 29، 30).