تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتوكل لا يتحقق في القلب بمجرد العلم به وبحقيقته، فهذا لون والتعبد لله عز وجل به لون آخر. وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الثه تعالى: "وكثير ما يشتبه في هذا الباب: المحمود الكامل بالمذموم الناقص... ومنه اشتباه علم التوكل بحال التوكل. فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته، وتفاصيله؟ فيظن أنه متوكل، وليس من أهل التوكل؟ فحال التوكل أمر آخر من وراء العلم به، وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها، ودواعيها. وحال المحب العاشق وراء ذلك، وكمعرفة علم الخوف. وحال الخائف وراء ذلك، وهو شبيه بمعرفة المريض ما هية الصحة وحقيقتها. وحاله بخلافها. فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوي فيه بالحقائق، والعوارض بالمطالب، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " (1) .

وعن هذا المعنى يقول محمد قطب حفظه الله وهو يؤكد على ضرورة التربية عليه وتحويل المفاهيم إلى واقع وحال فيقول: " يقول سبحانه وتعالى: (( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)) [الذريات:58] ، ولو

أنك سألت أي إنسان في الطريق من الذي يرزقك لقال لك على البديهة: الله، ولكن انظر إلى هذا الإنسان إذا ضيق عليه في الرزق، يقول: فلان يريد قطع رزقي! فما دلالة هذه الكلمة؟

دلالتها أن تلك البديهة ذهنية فحسب، وبديهة تستقر في وقت السلم والأمن، ولكنها تهتز إذا تعرضت للشدة؟ لأنها ليست عميقة الجذور... فلا يصلح لتلك الأعباء إلا شخص قد استقر في قلبه إلى درجة اليقين أن الثه هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الله هو المحصي المميت، وأن الله هو الضار النافع، وأن الله هو المعطي والمانع، وأن الله هو المدبر، وأن الله هو الذي بيده كل شيء...

(1) مدارج السالكين 2/ 125 (باختصار).

فاستقم كما أمرت · الصفحة ٢٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فاستقم كما أمرتص ٢٣٥