وقد أوضح الشاطبي في موافقاته هذا الفرق بين هاتين الصورتين وما يترتب على ذلك، فقال رحمه الله تعالى: "العوائد المستمرة ضربان: أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابا أو ندبا، أو نهى عنها كراهة أو تحريما، أو أذن فيها فعلا وتركا. والضرب الثاني: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.
فأما الأول فثابت أبداً، كسائر الأمور الشرعية، كما قالوا في سلب
العبد أهلية الشهادة، وفي الأمر بإزالة النجاسة وطهارة التأهب للمناجاة وستر العورات، والنهي عن الطواف بالبيت على العري، وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس؟ إما حسنة عند الشارع أو قبيحة، فإنها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع، فلا تبديل لها وإن اختلفت آراء المكلفين فيها. فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحاً ولا القبيح حسناً ، حتى يقال مثلأ أن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن، فلنجزه، أو أن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح فلنجزه، أو غير ذلك؟ إذ لو صح مثل هذا لكان نسخاً للأحكام المستقرة المستمرة. والنسخ بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - باطل، فرفع العوائد الشرعية باطل.
وأما الثاني فقد تكون العوائد ثابتة وقد تتبدل، ومع ذلك فهي أسباب لأحكام تترتب عليها. فالثابتة كوجود شهوة الطعام والشراب والوقاع والنظر والكلام، والبطش والمشي وأشباه ذلك. وإذا كانت أسباباً لمسببات حكم بها الشارع فلا إشكال في اعتبارها والبناء عليها والحكم على وفقها دائماً ".