فهذه الأمثلة أمور ليست بحد ذاتها أحكاماً شرعية كالأمثلة التي قبلها، ولكنها متعلق ومناط لها، فاصطلاحات الناس في تعابيرهم وكلامهم ليست أحكاماً شرعية ولكنها مناطات للأحكام المتعلقة بصيغ العقود والطلاق والأيمان، وما تعارفوا عليه من الأمور المخلة بالمروءة ليس إلا مناطاً للحكم بقبول شهادة الشاهدين أو رفضها، وما تعارفوه فيما بينهم من وسائل قبض المبيعات ووقت قبض الصداق، وانقسامه إلى مقدم ومؤخر، ليس إلا أساساً لما رتب عليه الشارع من الأحكام، ومثل ذلك بقية الأمثلة المشابهة.
وهذه الصورة من العرف هي التي عناها الفقهاء بقولهم "العادة محكمة" لا"ن الشارع جعلها هي الأساس والمناط لما علق بها من أحكام، ولا جرم أن صورة الحكم تتغير بتغير مناطه، ألا ترى أن وسيلة الطهارة تتبدل ما بين الماء والتراب حسب تبدل حال المكلف من قدرته على استعمال الماء وعدمها لأن الشارع جعل قدرته على استعماله هو مناط وجوب الطهارة به.
وقد شرط الشارع لصحة الشهادة في القضاء أن يكون صاحبها غير مختل المروءة، وجعل عادة الناس في كل قطر وبلد هي المحكمة في ضوابط المروءة وما يخدشها. واشترط قبض المبيع مع تبدل صورة القبض حسب تبدل المبيع. وشرع توثيق العقود وضبط المعقود عليه، مع اختلاف وسائل التوثيق والضبط حسب اختلاف الأزمان. وفرق بين الصريح والكناية من ألفاظ الطلاق في حكم وقوع الطلاق بهما، وترك عادة الناس في اصطلاحاتهم وتعبيراتهم هي المحكمة في تحديد المقاصد. وشرع خيار العيب في المبيع وترك عرف الناس فيما يعتبر معيباً هو المحكم في حد العيب وضبطه، وشرع نفقة الزوجة على الزوج ونفقة الأولاد الصغار على الآباء، وجعل المعروف بين الناس في قدرها وأنواعها هو المحكم في المطلوب منها وهلم جرا في كل ما يشبه ذلك(1) .
(1) ضوابط المصلحة للبوطي ص 282- 285 باختصار وتصرف يسيرين.