أن هناك من يجهل حقيقة هذه القواعد وضوابطها، أو يكون عالماً بها وبضوابطها، ولكنه يستدل بها في غير مناطها، أو يوظفها في تلبية رغبات
نفسه أو رغبات الناس في الانفلات من بعض الأحكام الشرعية حيث أنها - بزعمه- تختلف وتتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال؟ فما كان حراماً في زمن أو مكان قد لا يكون حراماً في زمن أو مكان آخرين.
وقد أشير إلى هذه القاعدة في ما مضى من الكلام حيث يدخل بعضها في أمثلة المصالح المرسلة وبعضها في قاعدة سد الذرائع، وبعضها في قواعد أخرى.
ومن المهم هنا التنبيه إلى الفرق بين اختلاف الفتوى، واختلاف الحكم فاختلاف الفتوى تكون بمراعاة المفتي لحال الشخص أو الزمان أو المكان، أو بعض الموانع التي تغير الفتوى لعدم توفر الشروط في المسألة المفتى بها، وفي هذه الحالة تكون الفتوى متوافقة مع الحكم لأن الحكم لا يطبق إلا إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه.
يقول البوطي في تعليقه على قاعدة: "العادة محكمة" وأثرها في تغيير الفتوى: "والحقيقة هي أن الحكم الشرعي لا يتبدل مهما تبدلت الأزمان وتغيرت الأعراف اللهم إلا عن طريق النسخ، وقد أغلق بابه بعد تكامل هذا الشرع الحنيف ووفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - . والقاعدة الفقهية: " العادة محكمة" ليس معناها أن بعض الأحكام الشرعية تتبدل بتبدل الأزمان حقيقة كما يفهم من ظاهر هذا اللفظ.
وبيان ذلك يحتاج إلى تحقيق في معنى هذه القاعدة، فلطالما كان-
ولا يزال- ظاهرها مزلقاً للأقدام ومتاهة عن حقيقة المعنى المراد بها . ولو
كانت هذه القاعدة على ظاهرها، لاقتضت أن يكون مصير شرعية الأحكام كلها رهناً بيد عادات الناس وأعرافهم، وهو مالا يمكن أن يقول به أحد.