وقد روي من طرق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمئة حديث
8 ، فإن صح هذا دلنا على مقدار ما كان يختلق الوضاعون، وإلى أي حد بلغت جرأة الناس على الاختلاق.
ومن أدلة الوضع أنك ترى روايتين نقلتا عن ابن عباس أحيانا وهما متناقضتان، لا يصح أن تنسبا إليه جميعا، فترى في ابن جرير مثلا عند تفسير قوله تعالى:
فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا ، عن معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إنما هو مثل: قال قطعهن ثم اجعلهن في أرباع الدنيا، ربعا هاهنا وربعا هاهنا، ثم ادعهن يأتينك سعيا؛ وقال بعد قليل: حدثنا محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال حدثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس: فصرهن إليك، صرهن: أوثقهن
9 . اه. فهو يفسر صرهن مرة بقطعهن ومرة بأوثقهن، ومن العسير أن تتكلف القول بأنه فسر هذا زمنا وفسر ذلك آخر، وأمثال ذلك كثير في ابن جرير.
على أن هذا التفسير الموضوع - والحق يقال - لا يخلو من قيمته العلمية، فلم يكن الوضع مجرد قول يلقى على عواهنه، إنما هو في كثير من الأحيان نتيجة اجتهاد علمي قيم، والشي الذي لا قيمة له فقط هو إسناده إلى علي أو ابن عباس.
وإذا نحن ألقينا نظرة عامة على ما روي من التفسير عن ابن عباس وغيره وجدنا منبعه هو الأشياء الثلاثة التي ذكرناها قبل: نقل عن رسول الله أو رواية حوادث وقعت أمامهم، توضح معنى الآية؛ واجتهادهم في الفهم معتمدين على الأدب الجاهلي ومعرفتهم بلغة العرب والعادات التي كانت فاشية في الجاهلية وصدر الإسلام، والإسرائيليات وما إليها. •••
بعد عصر الصحابة اشتهر بعض التابعين في الرواية عمن ذكرنا من الصحابة، فأكثر من يروي عن ابن عباس: مجاهد، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وهؤلاء كانوا من تلاميذه في مكة، وكلهم من الموالي، وهم يختلفون في الرواية عن ابن عباس قلة وكثرة، كما يختلف العلماء في مقدار الثقة بهم؛ فمجاهد من أقلهم رواية عن ابن عباس ومن أوثقهم، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، ولكن كان بعض العلماء لا يأخذ بتفسير مجاهد، فقد روى ابن سعد في طبقاته أن الأعمش سئل: ما لهم يتقون تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب
10 ، ولكن لم نر أحدا طعن عليه في صدقه، كذلك كان كل من عطاء وسعيد ثقة صادقا، أما عكرمة فكان أكثرهم رواية عن ابن عباس وهو مولاه، وكان أصله من البربر بالمغرب، واختلف العلماء في توثيقه، فكان بعضهم لا يثق به ولا يروي له شيئا، ويوثقه البخاري ويروي له، ويرى آخرون أنه جريء على العلم: يزعم أنه يعلم كل شيء في القرآن، سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية في القرآن، فقال: لا تسألني عن آية من القرآن، سل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه، يعني عكرمة
11
واشتهر من تلاميذ عبد الله بن مسعود في التفسير في العراق مسروق بن الأجدع، وهو عربي من همدان، وكان ورعا زاهدا ثقة صادقا، وكان يسكن الكوفة، ويستشيره شريح القاضي في معضلات المسائل؛ واشتهر كذلك قتادة بن دعامة السدوسي الأكمه، وهو عربي الأصل كان يسكن البصرة، وشهرته في التفسير جاءت من تضلعه في اللغة العربية، فكان واسع الاطلاع في الشعر العربي وأيام العرب وأنسابهم، وكان ثقة إلا أن بعضهم كان يتحرج من الرواية عنه لخوضه في القضاء والقدر.
وفي هذا العصر - أعني عصر التابعين - تضخم التفسير بالإسرائيليات والنصرانيات لكثرة من دخل منهم في الإسلام، وميل النفوس لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية ونصرانية، وقد تتبعنا في تفسير ابن جرير كثيرا من الآيات التي وردت عن بني إسرائيل فإذا بطل الرواية فيها وهب بن منبه، وقد ذكرنا قبل أنه كان من يهود اليمن وأسلم، فكان يقص كتب اليهود وأحاديثهم من غير تحر دقيق، ومن غير أن تصبغ روايته صبغة علمية، وتساهل المسلمون في أخذهم عنه كما أشار إليه ابن خلدون؛ لأنه لا يترتب على ما يحكي استنباط لحكم شرعي أو نحوه؛ كما تتبعنا كثيرا من الآيات التي وردت عن النصارى فإذا كثير مما يرويه الطبري عن ابن جريج، وابن جريج هذا هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ويقول الذهبي في تذكرة الحفاظ: «إنه من أصل رومي»، فهو نصراني الأصل؛ ويقول عنه بعض العلماء: إنه كان يضع الحديث، وإنه تزوج تسعين امرأة زواج متعة، ويقال: إنه أول من صنف الكتب في الإسلام