تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»؛ ولكن العمل كان على غير ذلك، وأنهم كانوا يصدقونهم وينقلون عنهم، وإن شئت مثلا لذلك فاقرأ ما حكاه الطبري وغيره عند تفسير قوله تعالى:

هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ، وقد رأيت أن ابن عباس كان يجالس كعب الأحبار ويأخذ عنه؛ ويعجبني في ذلك ما قاله ابن خلدون: «إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء ما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى؛ وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ أهل بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات» ... إلخ

7 .

المفسرون في هذا العصر: اشتهر عدد قليل من الصحابة بالقول في تفسير القرآن، وأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب؛ وأقل من هؤلاء زيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، ولنقصر قولنا على الأربعة الأولين؛ لأنهم أكثر من غذى التفسير في مدارس الأمصار المختلفة، والصفات العامة التي مكنت هؤلاء الأربعة الأولين من التبحر في التفسير: قوتهم في اللغة العربية وإحاطتهم بمناحيها وأساليبها، ومخالطتهم للنبي

صلى الله عليه وسلم

مخالطة مكنتهم من معرفة الحوادث التي نزلت فيها آيات القرآن، وعدم تحرجهم من أن يجتهدوا ويقروا ما أداهم إليه اجتهادهم؛ نستثني من ذلك ابن عباس، فإنه استعاض عن ملازمة النبي في شبابه بملازمة علماء الصحابة يأخذ عنهم ويروي لهم، ولو أنا رتبنا هؤلاء الأربعة حسب كثرة ما روي عنهم لكان ابن عباس أولهم، ثم عبد الله بن مسعود، ثم علي بن أبي طالب، ثم أبي؛ هذا بالنسبة لما روي لا بالنسبة لما صح، ويظهر أنه وضع على ابن عباس وعلي أكثر مما وضع على غيرهما، ولذلك أسباب: أهمها أن عليا وابن عباس من بيت النبوة، فالوضع عليهما يكسب الموضوع ثقة وتقديسا لا يكسبهما الإسناد إلى غيرهما؛ ومنها أنه كان لعلي من الشيعة ما لم يكن لغيره، فأخذوا يضعون وينسبون له ما يظنون أنه يعلي من قدره العلمي؛ وابن عباس كان من نسله الخلفاء العباسيون، يتقرب إليهم بكثرة المروي عن جدهم، إن شئت فانظر إلى ما روى ابن أبي جمرة عن علي أنه قال: لو شئت أن أوقر سبعين بعيرا من تفسير أم القرآن (الفاتحة) لفعلت، وما روي عن أبي الطفيل قال: شهدت عليا يخطب وهو يقول: سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل؟ ومجرد رواية هذين الحديثين يغني عن التعليق عليهما، وقد روي عن ابن عباس ما لا يحصى كثرة، فلا تكاد تخلو آية من آيات القرآن إلا ولابن عباس فيها قول أو أقوال؛ وكثر الرواة عنه كثرة جاوزت الحد، واضطرت النقاد أن يتتبعوا سلسلة الرواة فيعدلوا بعضا ويجرحوا بعضا، فيقولون مثلا: إن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس من أجود الطرق، وقد اعتمد عليهما البخاري؛ ورواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس غير مرضية، وابن جريج في جمعه لم يقصد الصحة، وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم؛ ورواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أوهى طرقه، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب، إلى كثير من أمثال ذلك.

فجر الإسلام · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٩٦