تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

ومما يدل على عدم ثقة المفسرين بما ورد في هذا الباب أنهم لم يقفوا عند ما ورد، بل أتبعوا ذلك بما أداهم إليه اجتهادهم، ولو كان ذلك صحيحا في نظرهم لوقفوا عند حدود النص.

وبمرور الزمان تضخم هذا التفسير المنقول، فدخل فيه أيضا ما نقل عن الصحابة والتابعين؛ وهكذا، حتى كانت كتب التفسير المؤلفة في العصور الأولى مقصورة على هذا النحو من التفسير.

ثانيا:

من مصادر التفسير الاجتهاد، وإن شئت فقل الرأي، يعرف المفسر كلام العرب ومناحيهم في القول، ويعرف الألفاظ العربية ومعانيها بالوقوف على ما ورد في مثله من الشعر الجاهلي ونحوه، ويقف على ما صح عنده من أسباب نزول الآية مستعينا بهذه الأدوات ويفسرها حسب ما أداه إليه اجتهاده، وكثير من الصحابة كان يفسر الآيات من القرآن بهذا الطريق، مثل كثير مما ورد عن ابن عباس وابن مسعود، فمثلا يفسر المفسرون الطور في قوله تعالى:

وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ، بتفسيرات مختلفة: فمجاهد يفسر الطور بالجبل مطلقا، وابن عباس بجبل بعينه، وآخر يقول: إن الطور ما انبت من الجبال، فأما ما لم ينبت فليس بطور؛ فهذا الاختلاف نتيجة اختلاف في الرأي، لا نتيجة اختلاف في المنقول، وقد اختلفوا في معاني الآيات خلافهم في معاني الألفاظ.

نعم، إن الصحابة والتابعين انقسموا في ذلك قسمين: فمنهم من تورع أن يقول في القرآن شيئا برأيه، كالذي روي عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن قال: أنا لا أقول في القرآن شيئا، وقال ابن سيرين: سألت أبا عبيدة عن شيء من القرآن فقال: اتق الله وعليك بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن؛ عن هشام بن عروة بن الزبير قال: ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله. ولكن كان بجانبهم من يرى حل ذلك ويستبيحه، بل يرى كتمان ما وصل إليه اجتهاده كتمانا للعلم وهم الأكثرون، وعلى هذا كان رأي ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم؛ إنما كره هؤلاء وأمثالهم أن يتعرض للتفسير من لم يستكمل أدواته، كأن لم يبلغ في معرفة كلام العرب مبلغا يمكنه من صحة الفهم، أو لم يدرس القرآن درسا يستطيع معه أن يحمل مجمله على مفصله، كذلك كرهوا أن يعتنق الرجل مذهبا من المذاهب الدينية كالاعتزال والإرجاء والتشيع، ويجعل ذلك أصلا يفسر القرآن على مقتضاه، والواجب أن تكون العقيدة تابعة للقرآن، لا أن يكون القرآن تابعا للعقيدة.

وهذا الاجتهاد هو الذي سبب الاختلاف بين الصحابة والتابعين في تفسيرهم لألفاظ القرآن وآياته اختلافا واضحا تكاد تلمسه في كل صفحة من صفحات تفسير ابن جرير الطبري.

فالأدب الجاهلي من شعر ونثر، وعادات العرب في جاهليتها وصدر إسلامها، وما قابلهم من أحداث، وما لقي رسول الله من عداء ومنازعات وهجرة وحروب وفتن، وما حدث في أثناء ذلك مما استدعى أحكاما واستوجب نزول قرآن، كل هذا كان مصدرا لعلماء الصحابة، والتابعين يستمدون منه القدرة على التفسير.

ثالثا:

وهناك منبع آخر من منابع التفسير استمد منه المفسرون كثيرا، ذلك أن شغف العقول وميلها للاستقصاء دعاها عند سماع كثير من آيات القرآن أن تتساءل عما حولها، فإذا سمعوا قصة كلب أصحاب الكهف قالوا: ما كان لونه؟ وإذا سمعوا

فقلنا اضربوه ببعضها ، تساءلوا: ما ذلك البعض الذي ضربوا به؟ وما قدر سفينة نوح؟ وما اسم الغلام الذي قتله العبد الصالح في قصة موسى معه؟ وإذا تلي عليهم:

فخذ أربعة من الطير ، قالوا: ما أنواع هذا الطير؟ وما هي الكواكب التي رآها يوسف في منامه؟ وكذلك إذا سمعوا قوله تعالى في قصة موسى مع شعيب سألوا: أي الأجلين قضى موسى؟ وهل تزوج الصغرى أو الكبرى؟ وهكذا؛ كذلك كانوا إذا سمعوا إشارة إلى بدء الخليقة طلبوا بقية القصة، وإذا تليت عليهم آية فيها إشارة إلى حادثة لنبي لم يقتنعوا إلا باستقصائها، وكان الذي يسد هذا الطمع هو التوراة وما علق عليها من حواش وشروح، بل وما أدخل عليها من أساطير، وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار، ودخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس من أخذ قولهم، روي أن النبي

فجر الإسلام · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٩٥