تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البصرة:

كذلك نزل في البصرة عدد كبير من الصحابة، أشهرهم في العلم أبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك.

فأما أبو موسى فيمني، قدم مكة وأسلم وهاجر إلى الحبشة مع من هاجر، وكان يعد من أعلم الصحابة، وقد قدم البصرة وعلم بها: سأل عمر بن الخطاب أنس بن مالك: كيف تركت الأشعري؟ فقال: تركته يعلم الناس القرآن، فقال: إنه كبير ولا تسمعها إياه

22 ، ويدل ما روي عنه - من قضاء بين الناس وفصل في الخصومات - على أنه كان فقيها فوق معرفته القرآن والحديث، أما أنس بن مالك فكان أنصاريا وكان صبيا لما قدم النبي المدينة، وخدمه نحو عشر سنين، وقد نزل البصرة وعمر فيها طويلا، وكان آخر من توفي بالبصرة من الصحابة، وتوفي سنة 92ه، ولكن يظهر أنه لم يبلغ في العلم مبلغ أبي موسى الأشعري، ولا عبد الله بن مسعود في الكوفة، وكان محدثا أكثر منه فقيها.

وأشهر من خرجته مدرسة البصرة في عهد الأمويين الحسن البصري وابن سيرين، وكلاهما من أبناء الموالي من سبي ميسان، وكلاهما أتاه العلم عن طريق الولاء فأبو الحسن البصري كان مولي لزيد بن ثابت، وهو من أشهر علماء الصحابة؛ وسيرين أبو محمد كان مولى لأنس بن مالك، وهو من علمت صحبة وحديثا، وكلاهما كانت له شخصية ظاهرة في البصرة، فالحسن البصري اشتهر بمتانة خلقه وصلاحه وعلمه وفصاحته؛ فأما متانة خلقه فتظهر في أنه لم يكن يخشى أحدا في إبداء رأيه، سئل عن ولاية يزيد بن معاوية فلم يستصوبها، على حين أن الشعبي وابن سيرين لم يجرءوا على إبداء رأيهما، وقد رأيت قبل، أن سائلا سأله عن الدخول في الفتن فكان لا يرى الدخول فيها، فسأله: ولا مع أمير المؤمنين؟ فقال: ولا مع أمير المؤمنين! وكان يقارن بالحجاج في فصاحته، وفوق ذلك كان ورعا تقيا يعده الصوفية أحدهم، ويتمثلون بحكمه وجمله؛ ويعده المعتزلة رأسهم؛ لأنه تكلم في القضاء والقدر، وكان يذهب إلى أن الإنسان حر الإرادة، كان فقيها يستفتى فيما يعرض من الحوادث فيفتي بعلم؛ وكان قصاصا يعد من سادة القصاص وأصدقهم، لذلك كان الحسن شخصية ممتازة في كل ناحية من النواحي التي ذكرناها، ويروي ابن خلكان أنه لما مات (سنة 110ه) تبع أهل البصرة كلهم جنازته، حتى لم يبق بالمسجد من يصلي العصر.

وأما ابن سيرين فقد تعلم على زيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وشريح وغيرهم، وكان محدثا ثقة وفقيها يفتي فيما يعرض عليه من الشئون، وكان معاصرا للحسن البصري، وكانا صديقين حينا، وبينهما وحشة حينا ، وسبب الوحشة على ما يظهر اختلاف طباعهما، فقد كان الحسن صريحا شديدا حزينا غضوبا، لا يخشى أن يقول ما يعتقد حتى في المسائل السياسية الخطرة؛ وكان ابن سيرين حليما ضحوكا، يتحرج أن يقول ما يؤخذ عليه

23 ، وقد اشتهر فيما بعد بتفسير الأحلام وزيف عليه كتاب في ذلك، وقد ذكره ابن النديم في الفهرست ونسبه إليه، ولكنا لا نجد أثرا لشهرته في تعبير الرؤيا في كتب المتقدمين أمثال طبقات ابن سعد، ومات سنة 110ه، وكان الحسن وابن سيرين يعدان سيدي أهل البصرة. •••

وكان في العراق حركة غير الحركة الدينية، تعد كأنها امتداد للحياة العقلية الجاهلية، مصبوغة بالصبغة الإسلامية، فقد كان للقبائل العربية النازلة بالبصرة والكوفة رؤساء، وكان هؤلاء الرؤساء أشبه شيء برؤساء القبائل في الجاهلية في السيادة على قبائلهم، والتفاف الناس حولهم، والخضوع لإشارتهم في السلم والحرب، ووقوف الشعراء ببابهم يتغنون بمدحهم، وينشرون مفاخرهم، ويهجون أعداءهم، ويتغنى هؤلاء السادة بالسيادة والمروءة وبذل المال وما إلى ذلك، كالأحنف بن قيس سيد تميم البصرة، والحكم بن المنذر بن الجارود سيد عبد القيس البصرة، ومالك بن مسمع سيد بكر البصرة، وقتيبة بن مسلم سيد قيس البصرة، ومحمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة سيد تميم الكوفة، وحسان بن المنذر من ضبة الكوفة، وحجر بن عدي ومحمد بن الأشعث سيدي كندة الكوفة وغيرهم، وهؤلاء وأمثالهم كانوا مصدرا لحياة أدبية قوية، من شعر يشبه الشعر الجاهلي، وحكم تشبه التي تروى عن أكثم بن صيفي؛ وليس هذا موضوع شرح هذه الحركة الأدبية، ولكن لا بأس من تصوير شخصية من هذه الشخصيات الكبيرة ليتبين لنا منحاها في الحياة وتأثيرها في الأدب، ولتكن شخصية الأحنف بن قيس.

فجر الإسلام · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٨٨