أضف إلى ذلك أن العراق - كما علمت - قطر غني يتوافر فيه العيش فيجد الناس من أوقاتهم ما يسمح لهم بالعلم. (ثانيا):
لعل العراق كان أكبر الأقاليم الإسلامية ميدانا للحروب والفتن في عهد الدولة الأموية، فمنذ مقتل عثمان وهو مشتعل؛ ذهبت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، فذهب علي إلى الكوفة، وكانت بين البصرة والكوفة وقعة الجمل؛ وذهب الحسين إلى الكوفة فكان بها مقتله؛ وخرج المختار الثقفي بالكوفة يطلب بثأر الحسين، واستولى مصعب بن الزبير على البصرة وسار إلى الكوفة فقتل المختار؛ وجهز عبد الملك جيشا وسير إلى العراق مصعبا؛ وتغلب عبد الرحمن بن الأشعث على الكوفة فسار إليه الحجاج وتغلب عليه، كان من أثر ذلك طبيعيا أن يتساءل الناس: من المخطئ ومن المصيب؟ هل أخطأ قتلة عثمان أو أصابوا؟ هل لعلي يد في دم عثمان؟ هل لطلحة والزبير وعائشة حق في قتال علي؟ هل أصاب علي في التحكيم؟ هل يصح الخروج على عبد الملك لظلم واليه والحجاج وسفكه للدماء؟ وهل أصاب من فعل ذلك وخرج مع ابن الأشعث؟ كل هذه أسئلة كانت تثار، وكانت تثار بكثرة حتى في دروس الأساتذة في المساجد، وإذ كان العراق ميدانا لأكثر هذه الحروب كان أهله أكثر الناس جدالا في هذا، فكان طبيعيا أن يكون منبعا للكثير من المذاهب الدينية؛ لأن كثيرا منها بني على نحو هذا الأساس كما سيأتي بيانه، جاء في طبقات ابن سعد: أن الحسن البصري كان من رءوس العلماء في الفتن والدماء، ودخل عليه قوم فقالوا له: يا أبا سعيد، ما تقول في هذا الطاغية (يعني الحجاج) الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة، وفعل وفعل؟ ... إلخ، وقال: «سأل رجل الحسن: ما تقول في الفتن؟ مثل يزيد بن المهلب وابن الأشعث؟ فقال: لا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فقال رجل من أهل الشام: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ فغضب، ثم قال بيده فخطر بها، ثم قال: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ نعم ولا مع أمير المؤمنين»
21
إلى كثير من أمثال ذلك. (ثالثا):
كان العراق عربا وموالي - كما علمت - وكانت السيادة للعرب، فاضطر الموالي لتعلم اللغة العربية لدينهم ولدنياهم، فكانوا مضطرين إلى نوع من العلم يسهل لهم طريق التعلم، فمست الحاجة إلى وضع علم النحو، وكان طبيعيا أن ينشأ ذلك في العراق لا في الحجاز ولا في الشام؛ لأن الحجاز لم يكن في حاجة إلى قواعد يقيم بها لسانه؛ لأن موالي العراق أكثر رغبة من موالي الشام، لما علمت من أن رغبة الفرس في العربية كانت أكثر من رغبة سواهم، ولأن الآداب السريانية كانت في العراق قبل الإسلام، وكان لها قواعد نحوية، فكان من السهل أن توضع قواعد عربية على نمط القواعد السريانية، خصوصا واللغتان من أصل سامي واحد؛ لهذا كان السابقون إلى وضع النحو هم البصريين أولا ثم الكوفيين، وفاق البصريون لقربهم من بادية العرب وبعد الكوفيين عن البادية الفصيحة.
والآن نستعرض باختصار الحركة العلمية في البصرة والكوفة من مبدئها:
الكوفة:
نزل الكوفة من أصحاب رسول الله كثيرون، وكان أشهرهم في العلم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود؛ فأما علي فكان عمله السياسي في العراق واشتغاله بالحرب وشئونها مانعا له من التفرغ للتعليم؛ وأما ابن مسعود فهو أكثر الصحابة أثرا علميا فيها، كان ابن مسعود من أول الناس إسلاما، حتى روي أنه سادس ستة أسلموا، وهاجر إلى الحبشة مع من هاجر، وإلى المدينة، ولازم النبي
صلى الله عليه وسلم
يخدمه، وسمح له أن يدخل بيته حين لا يسمح لغيره، وشغف بالقرآن يحفظه ويتفهمه؛ كل ذلك جعله يفهم من تعاليم الإسلام ومعاني القرآن وأعمال الرسول ما عد من أجله من كبار علماء الصحابة، بعثه عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة يعلمهم، فأخذ عنه كثير من الكوفيين، ولزمه تلاميذ له يتعلمون عنه العلم ويتأدبون بأدبه، قال فيهم سعيد بن جبير: «كان أصحاب عبد الله سرج هذه القرية» (يعني الكوفة)، وكان يعلم الناس القرآن ويفسره ويروي أحاديث سمعها من رسول الله، ويسأل عن حوادث فيفتي فيها استنباطا من الكتاب أو السنة أو برأيه - إذا لم يرد فيها كتاب ولا سنة - واشتهر من مدرسته هذه ستة، كانوا يعلمون القرآن ويفتون الناس: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل، وهؤلاء خلفوا عبد الله بن مسعود في التعليم بالكوفة، ولم يكن كل علماء الكوفة أخذ عن عبد الله بن مسعود، بل كثير منهم كانوا في المدينة، وأخذوا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ومعاذ ونحوهم، فتكونت في الكوفة حركة علمية كبيرة، واشتهر من علمائها شريح والشعبي والنخعي وسعيد بن جبير، ولم تزل هذه الحركة تنمو وتنضج حتى توجت بأبي حنيفة النعمان الكوفي.