تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الأحنف - كما ذكرت - سيد بني تميم في البصرة، وكان كما يقولون إذا غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يدرون فيم غضب، يدخل بنو تميم الحرب مع من أحب الأحنف، ويكفون إذا كف؛ وعرف معاوية منزلته في قومه وسيادته فقربه وأكرمه، وأوصى ولاته بذلك، حتى كان يعزل الوالي إذا غضب عليه الأحنف، ويحتمل منه معاوية الكلمة القارصة ويداريه، قال له معاوية يوما: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي (لأن الأحنف كان مع علي)، فقال الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادنا، وإن تدن من الحرب فترا ندن منها شبرا، وإن تمش إليها نهرول لها! وكان له فضل في التأليف بين كثير من القبائل المتعادية في البصرة؛ وكان مثلا في علو النفس والاحتفاظ بالكرامة والمروءة، ولما مات قيل: «مات سر العرب»، وأبنته امرأة فقالت: «لقد كنت في الحي مسودا، وإلى الخليفة موفدا، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين»، وله من الأقوال المأثورة والحكم ما ملأ كتب الأدب، مثل: «لا خير في لذة تعقب ندما»، «لن يفتقر من زهد»، «أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك»، «ما أقبح القطيعة بعد الصلة»، «أنفق في حق ولا تكن خازنا لغيرك»، «لا راحة لحسود، ولا مروءة لكذوب» ... إلخ. •••

أما الحركة الفلسفية في العراق فسنشير إليها عند الكلام على المذاهب الدينية، وقد أينعت في الدولة العباسية حتى نبغ من الكوفة كثيرون من الفلاسفة، ونبغ من البصرة جماعة «إخوان الصفا».

الشام: قطر غني، خصب الأرض، كثير المياه، معتدل الجو، كان مبعثا لكثير من الأنبياء، فنشروا فيه تعاليمهم الدينية

24 ، وتعاقبت عليه المدنيات المختلفة فأورثته علمها وحضارتها؛ ففينيقيون وكلدانيون ومصريون وعبريون ويونانيون ورومانيون، كل هؤلاء كانت لهم مدنية، وكان لهم علم، وانتشر علمهم في البلاد، وكان من أهل الشام أنفسهم من شارك في العلم ونبغ فيه، وبارى علماء الأمم المستعمرة، واشتهر في الشام كثير من المدن، كان مركزا للعلم والحركة العقلية، كصور وأنطاكية وصيدا وبيروت ودمشق وحمص؛ أورثها الفينيقيون حروف الكتابة، والعبريون التعاليم الإلهية، واليونان المذاهب الفلسفية، والرومان النظريات الفقهية، فكان لذلك كله الأثر الكبير في عقلية الشاميين، وقد ذكرنا قبل ذلك طرفا مما كان للسريانيين من حركة علمية في هذه البقاع وما حولها.

وقد عرف العرب في جاهليتهم هذه البلاد، فزحفوا إليها طمعا في خيراتها، وأنشئوا ولايات بها في حمص وبطرة من أول القرن الثاني قبل الميلاد؛ ثم كانت في القرن الخامس الميلادي إمارة الغساسنة وقد سبق ذكرها، وقد تأقلموا بإقليمها؛ واعتنقوا النصرانية بعد انتشارها في ربوع الشام، وتمدنوا بشيء من مدنيتها، وتكلموا بلغة هي خليط من الآرامية والعربية، وعدوا أنفسهم سوريين يرتبطون بسوريا أكثر مما يرتبطون بجزيرة العرب.

فتح الإسلام هذه البلاد ونشر لغته وتعاليمه بها، فأخذ عرب الشام يتعلمون لغة قريش، وبدأ أهل الشام أنفسهم يتعلمونها، ويتكلمون بها مع لغتهم الآرامية أو اليونانية؛ كذلك أخذ الإسلام يحل فيها محل النصرانية واليهودية، ودخل كثير من الشاميين في الإسلام، وبعث عمر إليهم من يعلمهم الدين الجديد، شأنه مع كل الممالك التي فتحت في عهده.

أورد البخاري في التاريخ: أن يزيد بن أبي سفيان كتب إلى عمر: «قد احتاج أهل الشام إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأرسل معاذا وعبادة وأبا الدرداء»، فكان هؤلاء أول مؤسسي المدرسة الدينية بالشام؛ فأما معاذ فقد قرأت طرفا من سيرته العلمية عند الكلام على مدرسة مكة، وقد قضى آخر حياته في الشام معلما؛ وأما عبادة بن الصامت فهو كذلك أنصاري كان ممن جمع القرآن، وولاه أبو عبيدة إمرة حمص وولي قضاء فلسطين، وكان من أفقه الناس في دين الله، كما كان شديدا في الحق، أنكر على معاوية كثيرا من أموره فشكاه إلى عثمان، ومات بالشام، وأما أبو الدرداء فأنصاري، كذلك كان من أفضل الصحابة وفقائهم، وقد ولي القضاء بدمشق وتوفي بها.

فجر الإسلام · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٨٩