14
النخل عشرة دراهم، وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين؛ فبلغ الخراج - على ما يقولون - مئة مليون درهم، وضرب على أهلها الجزية، فكان من تجب عليهم الجزية 550000، وتختلف قيمة الجزية - كما علمت - بين 48 درهما في السنة و24 و12 حسب الثروة: فترى من هذا مقدار ثروة العراق وغناه، مما حبب إلى العرب سكناه.
رحل العرب إلى العراق يحملون بين جنوبهم العصبية القبلية
15
وأرستقراطية الفاتح، فكان من مظاهر الأمر الأول أن البصرة والكوفة خطط كل منهما تخطيطا قبليا، فقد قسمت الكوفة مثلا قسمين: القسم الشرقي - وكان خير القسمين - والقسم الغربي، فاقترع على من يأخذ خير القسمين: اليمنيون أم النزاريون؟ فنال القسم الشرقي اليمن، والقسم الغربي نزار، ثم اختط كل فريق جزءا من أرضه حسب القبائل
16 ، ويروي الشعبي أن اليمنيين بالكوفة كانوا أكثر من النزاريين، فكان اليمنيون اثني عشر ألفا، والنزاريون ثمانية آلاف
17 ، وكانت هذه العصبية مثارا للنزاع الشديد كما رأيت - مما حكينا عن ابن أبي الحديد - وكان عرب الكوفة إذا قاتلوا عرب البصرة انحازت كل قبيلة ناحية وقاتلت مثيلتها في الجانب الآخر، فيمن الكوفة يقاتلون يمن البصرة، وربيعة الكوفة تقاتل ربيعة البصرة، ومضر الكوفة تقاتل مضر البصرة
18 .
وأما أرستقراطية الفاتح فكان مظهرها في موقف العرب إزاء الموالي، فقد كان أكثر سكان العراق من الفرس، والعرب فيه أقلية، فقد رأيت أنه أحصي من تجب عليهم الجزية في العراق فكانوا خمس مئة ألف وخمسين ألفا، هذا عدا من أسلموا من الفرس ولم تجب عليهم الجزية، هؤلاء الموالي كانوا يحالفون العرب ويدخلون في ولائهم لحمايتهم، ويعدونهم سادتهم، ويتعصب كل قوم منهم للقبيلة التي حالفوها من العرب، يقول البلاذري: «حالفت الأساورة
19
الأزد، ثم سألوا عن أقرب الحيين - من الأزد وبني تميم - نسبا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
والخلفاء، وأقربهم مددا، فقيل بنو تميم، فحالفوهم»، وكان هؤلاء الموالي هم القائمين بالحرف والصناعات والتجارة في العراق، وكان العنصر السائد المشرف على الأمر الذي بيده زمام الحرب هم العرب.
تحولت هذه العصبية القبلية إلى عصبية للمدينة التي سكنوها، فعرب الكوفة ومواليها يتعصبون للكوفة، وعرب البصرة ومواليها يتعصبون للبصرة؛ يفخر كل منهما بطبيعة الأرض وموقعها الجغرافي، ويفخر كل بما كان على يده من فتوح البلدان، ويفخر كل بمن نزل عندهم من صحابة رسول الله، ويعير كل الآخر ما نبت عنده من دعاة للضلالة؛ وأخيرا كانوا يتفاخرون بالعلم
20 ، وظهرت هذه المفاخرات العلمية والمناظرات، وتعصب كل مدينة لعلمائها، ظهورا بينا في كثير من فروع العلم؛ فالبصريون والكوفيون في النحو، والبصريون والكوفيون في الفقه، والبصريون والكوفيون في المذاهب الدينية وعلم الكلام، والبصريون والكوفيون في الأدب؛ يقول أعشى همدان:
اكسع البصري إن لاقيته
إنما يكسع من قل وذل
واجعل الكوفي في الخيل ولا
تجعل البصري إلا في النفل
وإذا فاخرتمونا فاذكروا
ما فعلنا بكم يوم الجمل
بين شيخ خاضب عثنونه
وفتى أبيض وضاح رفل
جاءنا يخطر في سابغة
فذبحناه ضحى ذبح الحمل
وعفونا فنسيتم عفونا
وكفرتم نعمة الله الأجل
ويظهر أن العراق - على الجملة - كان أكثر البلاد الإسلامية ثروة علمية وأدبية - إذا استثنينا بعض فروع تفوق فيها أهل الحجاز - ولثروة العراق العلمية أسباب أهمها: (أولا):
أن العراق - كما علمنا - أسس على مدنيات قديمة لها علم مأثور، فكان طبيعيا أن ينهض أهله بعد ثروة الفتح فيستعيدوا حضارتهم القديمة وعلمهم الموروث، كان السريانيون منتشرين في أرض العراق قبل الفتح، ولهم مدارس يدرسون فيها الآداب اليونانية، وكانت في العراق مذاهب نصرانية تتجادل في كثير من العقائد كالذي رأيت، وكان في الحيرة يونان مثقفون من أسارى الحروب الفارسية اليونانية، فكان لا بد أن تتخلف من هذا جميعه آراء وأفكار خمدت أثناء الحروب، ثم استيقظت بعد أن قرت سياسة البلاد، وكان كثير من أهل العراق دخل في الإسلام، فأخذت هذه الآراء تصطبغ بالصبغة الإسلامية، يزهر منها ما يتفق والإسلام، ويذبل منها ما يخالفه.