من اللاء لم يحججن يبغين حسبة
ولكن ليقتلن البريء المغفلا
قال: فقلت لها: فإني أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار، وبلغ ذلك سعيد بن المسيب (مفتي المدينة) فقال: أما والله لو كان من بعض بغضاء أهل العراق لقال لها: اعزبي قبحك الله، ولكن ظرف عباد الحجاز»
9 .
وروى أن سعد بن إبراهيم - وكان يقضي بين الناس في مسجد رسول الله
صلى الله عليه وسلم - جلد داود بن سلم؛ لأنه رأى عليه ثيابا ملونة يجرها في سماجة، فقال الشاعر:
جلد العادل سعد
بن سلم في السماجه
فقضى الله لسعد
من أمير كل حاجه
10
وتقرأ في الأغاني ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أحد الفقهاء السبعة فترى له شعرا في الغزل ظريفا
11 .
وروى في موضع آخر عن داود الثقفي، قال: «كنا في حلقة ابن جريج وهو يحدثنا، وعنده جماعة فيهم عبد الله بن المبارك وعدة من العراقيين، إذ مر به ابن ميزن المغني فدعاه ابن جريج، فقال له: أحب أن تسمعني، قال: أنا مستعجل، فألح عليه ... فغناه، وقال: لولا مكان هؤلاء الثقلاء عندك لأطلت معك حتى تقضي وطرك! فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: لعلكم أنكرتم ما فعلت!
فقالوا: إنا لننكره عندنا بالعراق ونكرهه، قال: فما تقولون في الرجز؟ يعني الحداء.
قالوا: لا بأس به عندنا، قال: فما الفرق بينه وبين الغناء؟!»
12
ويحكي الأغاني أيضا أن حنينا خرج إلى الشام واجتمع بالفتيان، فقلب لهم الغناء على جميع ألوانه فلا فكهوا له ولا سروا به، وتمنوا أبا منبه، فلما حضر غنى لهم غناء سخيفا فطربوا له، فأقسم ألا يبيت في هذا البلد!
13
وقد يكون السبب أن الحجاز كان به أرستقراطية العرب وهم العنصر الفاتح، وقد نال هؤلاء الأرستقراطيون خير الجواري وأرفعهن نسبا، وأكثرهن تأدبا؛ ومنهن من تربي ببيت الملوك والأمراء، وتأدب بآداب الحضارة، فنقلن ذلك إلى الحجاز وصبغنه بالصبغة العربية، وكان لهن الفضل في تأسيس مدرسة الغناء في الحجاز.
وقد تكون العلة أن البدو إذا تحضروا وبسط لهم في العيش أسرفوا في اللهو، شأن كثير ممن غني بعد الحرمان.
وربما كان السبب أن الأمويين تبوءوا الخلافة وحصروها فيهم، بل في بيت من بيوتهم وضيقوا على من عداهم في بطون قريش، وحجروا عليهم التفكير في الشئون السياسية، وكان الشام هو العنصر المؤيد لخلفاء بني أمية، والعراق هو العنصر المعارض، فانصرف فتيان الحجاز بما لهم من مال وفير وجاه عزيز عن الإمارة والخلافة والسياسة إلى اللهو، فكان الظرف، وكان الغناء، وكان الشراب، وكان المجون.
وقد يكون من الحق أن تكون كل هذه أسبابا أنتجت ما ذكرنا.
وكان لهذا النوع من الحياة أثر في الأدب كبير، ليس من شأننا هنا التعرض له.
العراق: هو الجزء الجنوبي من وادي دجلة والفرات، خصبت أرضه وغزر ماؤه، واعتدل جوه ، فكان من أسبق الأقاليم مدنية وعمرانا، فقديما تعاقبت عليه الأمم المتحضرة من نحو ثلاثين قرنا قبل الميلاد؛ فالبابليون والآشوريون والكلدانيون والفرس واليونان، كل هؤلاء أنشئوا في العراق ممالك تختلف صبغتها، وكانت مدنيتهم منارا يلقي أشعته على ما حوله من البلدان.
وقديما عرفه العرب فنزلت فيه قبائل من بكر وربيعة، ثم كونوا فيه إمارة هي إمارة المناذرة في الحيرة - وهي التي وصفناها قبل - ثم استولوا عليه بعد الإسلام في عهد عمر، وأنشئوا فيه البصرة والكوفة، فأسرع إليهما النمو، وتحولت إليهما كنوز المدائن، وحضارة بابل والحيرة، وتركزت فيهما مدنية العراق في عهد الأمويين، حتى كان إذا قيل العراق فمعناه البصرة والكوفة، وكانوا أحيانا يطلقون عليهما «العراقين».
لما فتح العراق وسمع العرب بغناه رغبوا في الرحلة إليه، جاء في الطبري: «بعث عتبة أنس بن حجية إلى عمر بمنطقة مرزبان دست ميسان، فقال له عمر: كيف المسلمون؟ فقال: انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس في البصرة فأتوها»، وترك عمر الأرض في يد أهلها ووضع عليها الخراج فجعل على جريب