التدوين
37 : ذهب بعضهم إلى أن تدوين العلوم والأخبار لم يحدث إلا في منتصف القرن الثاني للهجرة، وهذا على ما يظهر لنا غير صحيح، فإن التدوين بدأ من القرن الأول، بل كان قبل الإسلام تدوين، وكان هذا التدوين كثيرا في البلاد المتحضرة كاليمن والحيرة، وقليلا في بلاد الحجاز، فالحميريون في اليمن دونوا كثيرا من أخبارهم وحوادثهم، ونقشوها على الأحجار، ولا تزال آثارهم في ذلك تستكشف بين حين وحين، وقد حدثناك من قبل أن النبي
صلى الله عليه وسلم
لقي سويد بن الصامت وكان معه مجلة لقمان، أعني صحيفة فيها حكم لقمان، فلما جاء الإسلام اتخذ النبي
صلى الله عليه وسلم
كتبة للوحي، فكانوا يكتبون على الرقاع والأضلاع وسعف النخل والحجارة الرقاق البيض، ثم جمعت هذه الصحف في عهد أبي بكر، وعني بعض الصحابة بكتابة حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، كعبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يدون ما يسمع من رسول الله، قال أبو هريرة: «ما أجد من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب»، وقال عبد الله بن عمرو: «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أريد حفظه» ... (الحديث) بل قد رأيت أن النبي
صلى الله عليه وسلم
دعا بعض أصحابه أن يتعلم العبرية والسريانية ليدون بها رسائله.
فهذا تدوين للقرآن والحديث والرسائل التي كانت ترسل من النبي
صلى الله عليه وسلم ، وبعد هذا الزمن بقليل نرى أن المسلمين طرقوا موضوعات أخرى يدونونها؛ فابن النديم يحدثنا في كتابه (الفهرست) أن عبيد بن شرية الجرهمي كان في زمان معاوية وأدرك النبي
صلى الله عليه وسلم
ولم يسمع منه شيئا، ووفد على معاوية بن أبي سفيان؛ فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة، وأمر افتراق الناس في البلاد، وكان استحضره من صنعاء اليمن، فأجابه إلى ما سأل، فأمر معاوية أن يدون وينسب إلى عبيد بن شرية، وعاش عبيد إلى أيام عبد الملك بن مروان، وله من الكتب «كتاب الأمثال» و«كتاب الملوك وأخبار الماضين».
ويقول في موضع آخر: إن صحارا العبدي كان خارجيا، وكان أحد النسابين والخطباء في أيام معاوية بن أبي سفيان، وروى عن النبي
صلى الله عليه وسلم
حديثين أو ثلاثة، وله من الكتب «كتاب الأمثال».
ويقول في موضع ثالث: إنه كان بمدينة الحديثة رجل يقال له: محمد بن الحسين جماعة للكتب، له خزانة لم أر لأحد مثلها كثرة، تحتوي على قطعة من الكتب العربية في النحو واللغة والأدب، والكتب القديمة، فلقيت هذا الرجل دفعات فأنس بي، وكان نفورا ضنينا بما عنده، خائفا من بني حمدان، فأخرج لي قمطرا كبيرا فيه نحو ثلاث مئة رطل من جلود وصكاك وقراطيس، وورق صيني وورق تهامي، وجلود أدم، فيها تعليقات عن العرب، وقصائد مفردات من أشعارهم، وشيء من النحو والحكايات والأخبار والأسماء والأنساب؛ وغير ذلك من علوم العرب وغيرهم، فرأيتها وقلبتها فرأيت عجبا، إلا أن الزمان قد أخلقها وأحرفها، وكان على كل جزء أو ورقة أو مدرج توقيع بخطوط العلماء واحدا إثر واحد، ورأيت في جملتها مصحفا بخط خالد بن أبي الهياج صاحب علي، ورأيت فيها بخط الإمامين الحسن والحسين، ورأيت عنده أمانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علي، وبخط غيره من كتاب النبي
صلى الله عليه وسلم ، ومن خطوط العلماء في النحو واللغة؛ مثل أبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيباني ... ورأيت ما يدل على أن النحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته، وهي أربعة أوراق أحسبها من ورق الصين، ترجمتها: هذه فيها كلام الفاعل والمفعول من أبي الأسود رحمة الله عليه بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخط عتيق: هذا خط علان النحوي، وتحته: هذا خط النضر بن شميل، ثم لما مات هذا الرجل فقدنا القمطر وما كان فيه، فما سمعنا له خبرا، ولا رأيت منه غير المصحف، هذا على كثرة بحثي عنه. ا.ه باختصار.